يعتبر كتاب (من الاستتباع إلى الاستبداد) للباحث الدكتور غريغور مرشو حلقة هامّة في إطار بناء منهجية التعامل مع الفكر العربي بكل صوره ومستوياته. تلك المنهجية التي تمثّل حلقة أساسية في بناء (إسلاميَّة المعرفة) في طورها الجديد.
وقد اعتمد المؤلف في كتابه على منهج متعدد الأبعاد والزوايا. فقد قام بتحليل البنى الاقتصادية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والدينية والفكرية التي ظهرت فيها بواكير ومقوّمات الاستتباع الغربي للشرق.
ولكي تضفي الدوائر الاستعمارية الأوروبية على أيديولوجيتها التوسعية صبغة قانونية وعقلانية، كان عليها أن تقدم علومها في مجال الإنسان بمثابة علوم حيادية عالمية شبيهة بالعلوم الطبيعية، ولم تترد (العلوم الإنسانية) في توظيف أسطورة الإنسان المتوحَش بما يخدم مصالح دولها، وغايتها في تأييد صفة الوحشية على إنسان ما وراء البحار لم يكن القصد منه تجريده من كل مزاياه الفكرية فحسب،.
وإنما تأسيس خطاب علمي مخصّص للآخرين، يبّرر من خلاله للمركزية العرقية الأوروبية ـ زعزعة ثقة الشعوب الشرقية بأنها من خلال عملية غسيل الدماغ هذه يتسنى لها تكسير بُنى هذه المجتمعات وتفتيتها ثمّ إعادة بنائها بما يتوافق مع مصالحها التوسعية.
تعود اهتمامات الولايات المتحدة بالشرق إلى بدايات القرن التاسع عشر، فقد سعوا إلى تأسيس مقرّ لهم في بيروت كمنطلق لنشر التبشير عام 1825، وبعد ذلك امتدّ نشاط هؤلاء المبشرين على غرار غيرهم من الأوروبيين.
وباشروا بفتح المدارس في بيروت وفي جنوب لبنان تحت رعاية السكان الدروز والروم الأرثوذكس، كما أسس كورنيلوس فان ديك مع بطرس البستاني ( الجمعية السورية ) عام 1847، وتبعهما دانيال بليس في تأسيس معهد السوريين البروتستانت في رأس بيروت، الذي تحوّل إلى الجامعة الأميركية.
إلا أن الاستشراق الأميركي بدأ عملياً بعد الحرب الثانية، وشهد نهضة شاملة حينما أخلت بريطانيا مواقعها للنفوذ الأميركي، وانتشرت مراكز الدراسات العربية الإسلامية وأقسام للشرق الأوسط في الجامعات والمعاهد العلمية الأميركية حتى تجاوز عددها المئات، وقد كان لهذا التدخل الثقافي ـ السياسي في المنطقة أثر كثير في التلاعب على التناقضات وتوظيفها براغماتياً واحتواء طرف على حساب الآخر، بما يخدم المصلحة العليا للولايات المتحدة ويكرس قطع الجسور ما بين الدول القطرية المستحدثة ثمرة التقسيم السايكس ـ بيكو.
يمكن القول ان النظام العاملي الجديد هو إمبريالية ما بعد الحداثة، إذ يجد الإنسان نفسه في عالم بلا تاريخ، بلا ذاكرة، تتفكك فيه علاقة الدال بالمدلول، وينزلق فيه الإنسان من الخصوصية الإنسانية التاريخية إلى عالم الطبيعة المادة والجسد، يحيط به إمبريالية شرسة تأبى أن تسمي نفسها إمبريالية، وإنما على الصعيد الدولي في إطار (النظام العالمي الجديد) خير دليل على تقدمنا به.
الكتاب: من الاستتباع إلى الاستبداد
تأليف: د. غريغور منصور مرشو
الناشر: دار الملتقى سوريا - حلب2011
