كرّس الباحث والأستاذ الجامعي الأميركي كلود س. فيشر القسم الأكبر من أبحاثه لدراسة التاريخ الاجتماعي الأميركي. وبعد أن استعرض في كتاب له صدر عام 2006 تحت عنوان «قرن الاختلاف» أهم المتغيرات التي عرفها المجتمع الأميركي خلال القرن العشرين، يعود من جديد لتقديم ما يسميه «التاريخ الاجتماعي للثقافة والشخصية الأميركية، كما يقول العنوان الفرعي لكتابه الأخير الذي يحمل عنوان: «من صناعة أميركية».
إن المؤلف يتعرّض بالتحليل في هذا الكتاب للتوجهات الكبرى التي «اجتاحت» المجتمع الأميركي وطبعت بطابعها الحياة الأميركية منذ الحقبة التأسيسية حتى الوقت الراهن. ومن النتائج الأساسية التي يتوصّل إليها قوله أن الأميركيين أصبحوا مع مرور الزمن «أكثر تمسّكا بالمبادئ الدينية» و«أقل عنفا». هذا إلى جانب احتفاظهم بنزعة «الجشع» فيما يخص رغبتهم في الهيمنة على العالم.
ومن خلال مجموعة السمات «المكتسبة» عبر التجربة التاريخية للمجتمع الأميركي ينظر المؤلف بقدر من التفاؤل للتطور «الحميد» الذي اتسمت به الشخصية الأميركية.ذلك خاصة فيما يتعلّق ببروز نوع من «الروح التطوعية» و«تخفيف حدة النزعة الفردية» عبر «التضامن» في مجتمع قابل باستمرار للتطور والتبدّل مما سمح بالانتقال من مجموعة من القيم والأفكار «التأسيسية» إلى ما يشكّل اليوم واقع الانتماء إلى المجتمع الأميركي لـ«مواطني الولايات المتحدة الأميركية».
يؤكد المؤلف أن «توسّع نطاق المجال الأمني المادي ودرجة أكبر من الرفاهية سمحا بتطوير الخيارات الاجتماعية والثقافية الأميركية». والنتيجة المباشرة لمثل هذا الواقع تمثّلت في زيادة عدد «المساهمين» في الثقافة الأميركية التي أكدت هويتها أكثر فأكثر.
ويحدد المؤلف القول أن «التفرّد» في الثقافة والشخصية الأميركيتين يأتي خاصة من سلوك أفراد المجتمع «طريق وسط» بين الإفراط في النزعة الفردية أو الإفراط في التأكيد على الانتماء لـ«الكل» الاجتماعي، والتأكيد على أولوية العلاقة لدى الأميركيين، لمختلف المجموعات. ذلك أن «الحل الأميركي للتوتر بين الفرد والكل يكمن في افتراض أن الشخص يحقق غاياته الشخصية مع الآخرين في إطار انتماء جرى اختياره بكل حريّة».
الحدان الأساسيان في تحديد انتماء المواطن الأميركي يقدّمهما المؤلف بالاعتماد على عنصرين. «العنصر الأول الأساسي للانتماء الطوعي هو الاعتقاد والسلوك كما لو أن كل شخص هو فرد سيادي، يتمتع بالسيادة ? بشكل فريد ومستقل ويتحمل مسؤوليته ذاتيا». و«العنصر الثاني الأساسي للانتماء الطوعي هو الاعتقاد والسلوك كما لو أن الأفراد ينجحون عبر الانتماء إلى مجموعات اختاروها إراديا، وليس عبر العزلة «الأنانية».
يركّز المؤلف تحليلاته على مسألة تطوّر الأسرة الأميركية وعلى دور النساء تحديدا في إطار عن الاستقلال والمساواة. ولا يتردد في القول أن الأسرة تمثل «أحد مفاتيح» فهم آلية انتماء الأفراد إلى المجموعات في المجتمع الأميركي سابقا وحاليا. بل ويؤكد أنها، أي الأسرة، تمثل «مصدرا للهوية». لكن بالمقابل يمكن للأفراد «التخلّي» عن الأسرة عندما لا تحقق غاياتهم.
يقوم كلود فيشر بتحليل الانتماءات الدينية للأميركيين مؤكدا أنهم «ظلّوا باستمرار شعبا عميق التديّن». كذلك وعبر تحليل النوادي والمنظمات الاجتماعية وأماكن العمل والأحياء يصل إلى القول أن «النزعة التطوعية» كانت ولا تزال تشكّل عنصرا أساسيا في الحياة وفي الشخصية الأميركيتين.
الكتاب: من صناعة أميركية، تاريخ اجتماعي للثقافة وللشخصية الأميركيتين
تأليف: كلود س. فيشر
الناشر: جامعة شيكاغو -
2010 الصفحات: 528 صفحة
القطع: المتوسط
Made in America
Claude S. Fischer
University of Chicago Press- 2010
p.
