«إنهم يغتالون الثقافة»، هذا ما يعتقده الكاتب والناقد الروائي الفرنسي بيير جورد، وهذا هو العنوان الذي اختاره لكتابه الأخير. ويجمع المؤلف في هذا العمل عددا من المقالات التي كان نشرها خلال السنوات الأخيرة تحت عنوان «عجائن الثقافة». و«هم» الذين يقصدهم في عنوان الكتاب يشملون السلطات الاقتصادية والسياسية والإعلامية التي جعلت من «مفاهيم التسويق» عصب الحياة الثقافية في فرنسا وفي المجتمعات الاستهلاكية عامة.
إن المؤلف يرسم في هذا الكتاب صورة للواقع الثقافي الفرنسي كما يراه. وذلك من خلال عدة مشارب أساسية تشمل وسائل الإعلام والتربية والجامعة والبحث والسياسات الثقافية والحياة الثقافية. ويلخّص الهدف الأساسي للحياة الثقافية الفرنسية بالعمل على «تأطير» العقول في عدد من القوالب الجامدة، بدلا من «تكوين عقول حرّة».
ولا يتردد المؤلف في تقديم قائمة طويلة من الأسماء المشهورة في عالم الأدب والكتابة مبيّنا بالأدلة ما يرتكبونه أحيانا من «أخطاء لغوية فادحة»، مثل الروائي مارك ليفي و«عدم إتقانه لقواعد اللغة الفرنسية» كما يُظهر المؤلف في مجمل أعماله. ومثل آخر يقدمه المؤلف «النجوم الأدبيين الذين ساهم الإعلام في شهرتهم، هو للكاتب الشهير فيليب سوريل.
كذلك الأمر بالنسبة للروائية «المعروفة أيضا» كريستين انجو التي يكتب المؤلف عنها: «لا يمكن أن يعاب عليها أن يكون عمرها 12 سنة على صعيد النضج العقلي وأن تكتب في أسلوب المراهقين وأن تطرح مشاكلها الصغيرة كمراهقة دائما على العالم وكأنه ينبغي عليه أن يجد ما تكتبه رائعا... ».
إن ما يتعرّض له بيير جورد بالنقد خاصة هو تلك «السهولة» في القبول بالتبعية من قبل أولئك الذين «يفعلون كل شيء كي تكرّس الصفحات الثقافية للبعض. وهي قد جرى تقليصها أصلا للمشاهير ذوي الإنتاج السهل، ولا يكرّسون سوى الجزء البسيط لنصوص الجدية وربما الأكثر صعوبة». وهذا ما يرى به المؤلف «الشروع بإنتاج ثقافة حماقة حقيقية».
يقول المؤلف عن الواقع الإعلامي-الثقافي اليوم: «هناك التبعية المعتادة للصحافة. فمنذ اللحظة التي يتحدث فيها الآخرون عن أمر ما يغدو موجودا ومهما (...). هناك دائما نفس الأحداث ونفس الحوادث السياسية التي يتم الحديث عنها، وبمقدار ما يتم تكرار الحديث عن الشيء نفسه يغدو بمثابة حقيقة. والدائرة المفرغة تتكرر إلى ما لا نهاية، إذ ينبغي على الصحفيين الحديث عن حدث حقيقي. والحدث هو ما يتحدث عنه الجميع. وأي كتاب للروائية كريستين انجو لا يمتلك أية حقيقة أدبية تقريبا، بل هو نوع من الحقيقة الافتراضية وثرثرة الصحفيين فيما بينهم. وهذه هي مهمته أصلا».
وينتهي المؤلف إلى القول إن «لم تعد هناك مدرسة ولا مؤسسات تعليمية تستحق هذه التسمية، ولم يعد هناك أي دعم للإبداع الثقافي لم يعد هناك شيء سوى البحث عن المردود الاقتصادي». وينبّه بيير جورد في هذا السياق من خطورة البحث عن «فنانين رسميين». فهذا خطير، برأيه، بالنسبة لحرية الدولة ويجرّ الكثير من «بؤس الفن».
ويناقش المؤلف بإسهاب مفهوم «احترام الجمهور» على ضوء رؤية ثقافية للمواطنة. ويرى أن الإفراط في النزعة الفردية التي تشكل خطرا على الإبداع الثقافي. ويحدد القول إن «احترام الجمهور» لا يعني أبدا الانصياع للمقولات السائدة.
الكتاب: إنهم يغتالون الثقافة
تأليف: بيير جورد
الناشر: بالان- باريس- 2011
الصفحات: 285 صفحة
القطع: المتوسط
Cest la culture qu?on assassine
Pierre Jourde
Balland - Paris- 2011
285 pp.
