يتحدث الباحث الايطالي، مايكل أنجلو ياكوبوتشي، في مضامين عرضه وشرحه، في الكتاب، عن اللامتسامح كرغبة في إثبات الذات، وعن التسامح باعتباره قاسم التعايش المشترك الأدنى، حيث يقول:«التسامح هو القاسم المشترك الأدنى للتعايش،.
وإذا كان التسامح لا يكون تساهلاً أو إرضاء للذات، فلا يجب أن يتم أيضاً الخلط بينه وبين اللامبالاة، وإذا كان قبولنا لشيء ما سببه أنه لا يمسنا من قريب أو بعيد، ولا يخلق لنا مشاكل، ذلك لا يمكن أن نسميه تسامحاً، التسامح لا يعني على الإطلاق الاستغناء عن اليقين الشخصي الراسخ، بل فقط الاستغناء عن ترسيخه بوسائل مغايرة لوسائل الإقناع».
ويتناول المؤلف اللاتسامح الديني، المؤسس على اليقين المطلق. ويبين ياكوبوتشي أن اليهودي لامتسامح مع الآخر بسبب إصابته بحمى الاعتقاد بأنه، دون سائر شعوب الأرض، مختار من الرب، من ثم فإنه مصاب بعقدة الاستعلاء. ويحلل ياكوبوتشي اللاتسامح الديني، الذي يعتبره القتل باسم الرب، إذ يظهر في الحروب المقدسة والقتل الشعائري والانتحار الجماعي واضطهاد المنشقين، ثم يقول:
«إن رحلة بين أعداء الحوار ينبغي أن تبدأ، حتميا، من الدين. أحد أضخم الموضوعات التي تفرض نفسها في كل حديث عن اللاتسامح...». ويرى المؤلف أن البرهنة على هذه المقولة يمكن أن تعود بنا إلى بدء الخليقة، لنتتبعها في مسيرة التاريخ البشري كله، لكن التقاط بعض الأحداث التي وقعت في العقود الأخيرة، يكفي للدلالة على ذلك.
فالشاب اليهودي المتطرف إيغال عامير الذي قتل رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحاق رابين، برر ما أقدم عليه بقوله: «لقد أمرني الله بذلك، ولست نادما». وكان في هذا يمتثل لنصوص عديدة في التوراة والتلمود، تحض على القتل. ولم تضع الحرب بين الكاثوليك والبروتستانت في أيرلندا أوزارها، إلا قبل سنوات بعد أن أزهقت أرواح مئات الآلاف. ويرجع ياكوبوتشي اللاتسامح الذي تنتجه الممارسات الدينية المجافية لمقاصد الأديان وغاياتها، إلى ثلاثة أسباب، وهي:
تسييس الدين، قيام بعض رجال الدين في المسيحية واليهودية بالحيلولة دون العلاقة المباشرة بين الإنسان وربه، عبر الكهنوت، وقيام أتباع كل دين برفض الأغيار أو أتباع الديانات الأخرى، فاليهودية رفضت المسيحية، والأخيرة ترفض الإسلام والأخير لا يرفض الاثنين، لكنه يعتمد مسارا معينا لهما. ويؤكد ياكابوتشي أن مفاهيم معظم الكتاب الغربيين عن الإسلام مغلوطة، ومليئة بأكاذيب وافتراءات مقصودة أحياناً، وفي أحيان أخرى يكون مردها جهل الغرب بحقيقة الإسلام كدين.
وعلى وجه العموم، يرى الكاتب أن الممارسة المبتسرة والمتجهمة والمنغلقة للدين، هي أكثر العوامل إنتاجا للتعصب، لأنها لاتزال مسيطرة على أغلب السلوكيات البشرية، لاسيما تلك التي تميل إلى التفرقة بين البشر على أساس عقائدي، وفي الوقت ذاته فإن الدين، فضلا عن قوته الكامنة فيه، تحول على مدى آلاف السنين إلى عباءة فضفاضة يتستر بها الكثيرون من الراغبين في ارتكاب أعمال عنيفة. كما يتناول الكاتب اللاتسامح الثقافي، واللاتسامح المذهبي، واللاتسامح السياسي.
ويشرح المؤلف مضمون ودوافع وبنية تكوين التعصب المبني على الثقافة، من خلال إجابته على تساؤلات محورية من قبيل: كيف يمكن قتل شخص ما لمجرد أنه مختلف عنا؟ وما هو الشيء الذي يعطي كلمة ثقافة القوة نفسها التي يتصف بها التعصب الديني؟
ويدور ياكوبوتشي، في هذا السياق، حول اتجاهين رئيسين، أولهما يطرحه عالم الأنثربولوجيا جيمس لوفلوك؛ حيث يرى أن الإنسان سفاح بطبعه، وأن غريزة الصراع ولدت معه وتظل مدفونة في جيناته الوراثية. وثانيهما يبديه جان جاك روسو الذي ينظر إلى الإنسان بوصفه المفترس الطيب، والذي صار عنيفا بالتدريج، بسبب تأثير المجتمع.
كما يوضح ياكوبوتشي انه ينحصر اللاتسامح الثقافي في متقابلات ومفاهيم وتصوات من قبيل الأنا والآخر، والرغبات المتعاظمة في إثبات الذات، والدفاع الأعمى عن الهوية، والتمركز حول الجماعة، والتخوف من الأيديولوجيات المضادة، مثل الهواجس المتبادلة التي كانت بين الشيوعية والرأسمالية، والتي طالما صبت مزيدا من الزيت على نيران صراعات عديدة في العالم. ثم فكرة صدام الحضارات التي صاغها صمويل هنتنغتون؛ ليبرر بها سياسات المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية. وهناك أيضا فكرة خلق العدو أو تفصيله على المقاس، المتوارثة منذ قديم الزمان.
ولا يغفل المؤلف، التطرق إلى اللاتسامح العرقي، الذي أراق دماء غزيرة في تاريخ الإنسانية، بدءا بما جرى للهنود الحمر لدى اكتشاف أميركا في 1492، على أيدي الإنجليز والفرنسيين والأسبان والبرتغاليين، وانتهاء بما وقع للمسلمين في البوسنة والهرسك على أيدي الصرب، مرورا بالصراعات العديدة في القارة الأفريقية، مثل ما جرى لليهود على يد النازيين، وما وقع بين الهوتو والتوتسي في رواندا وبورندي، وما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين.
وبخصوص اللاتسامح السياسي، يرى المؤلف أن الأنظمة المستبدة والشمولية، تتجه بعضها إلى التمييز بين المواطنين، على أساس النوع أو العرق أو الدين أو اللغة أو الجهة أو اللون، ويقوم بعضها بممارسة أقصى وأقسى درجات التعصب ضد قطاعات من الجماهير، باستبعادها وتهميشها.
ولا يبدو أن هناك من سبيل لإنهاء اللاتسامح السياسي سوى التعمق في الديمقراطية، على مستوى المفاهيم والتطبيقات؛ لأن الديمقراطية، مثل التسامح، هي وسيلة وحل وسط لتحقيق أقصى خير ممكن لأكبر عدد ممكن من الناس، من زاوية احترامها للمختلفين في الرأي والموقف.محمد
الكتاب: أعداء الحوار أسباب اللاتسامح ومظاهره
تأليف: مايكل أنجلو ياكوبوتشى
تقديم: أمبرتو إيكو
الناشر: مكتبة الأسرة ــ الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 0102 م
القطع: المتوسط
