ساد في السنوات الأخيرة المنصرمة نقاش مستفيض حول ما يمكن وضعه تحت عنوان عريض هو «الهوية الوطنية»، وذلك في سياق بروز أصوات عديدة «تحذّر» من خطر فقدان البلدان الأوروبية لهويتها الأصلية بسبب تعاظم عدد المهاجرين والوافدين إليها من «الأجانب». وبالوقت نفسه مثلّث الهوية موضوع سلسلة من الكتب التي من آخرها صدورا الكتاب الجماعي الذي يحمل عنوان: «ثقافات هجينة ودول متحفّزة».
ويدرس المساهمون في هذا العمل المسائل المتعلقة بالهوية الوطنية في كل من بريطانيا وألمانيا وسياساتها والنتائج المترتبة عليها في المجتمعين المعنيين، وتحديدا خلال الحقبة ما بعد الاستعمارية.
إن المساهمين في هذا الكتاب يحاولون شرح مصادر القلق لدى عدد من البلدان الأوروبية حيال خطر «فقدان الخصوصية» تحت مسميات «التنوّع الثقافي»، أو ما يتم التعبير عنه في عنوان الكتاب بـ«الثقافات الهجينة».
ويتم التذكير أولا أن مفهوم «التهجين» يجد أصوله الأولى في مجال علوم الحياة «البيولوجيا» لينتقل بعد ذلك إلى مجال الاستخدام في علوم اللغة وفي النظريات العرقية التي ظهرت خلال القرن التاسع عشر في الغرب. ثم شاع استخدام المفهوم أكثر ليطال عدة مشارب في مقدمتها الثقافات الشعبية.
وبعد الإشارة إلى العديد من الدراسات التي كرّسها أصحابها للحديث عن «الثقافة الهجينة» و«التعددية الثقافية» و«مرحلة ما بعد الاستعمار»، كل من هذه الجوانب على حدة، يحدد المساهمون القول أن المقاربة الصحيحة لمثل هذه المسائل تتطلب دراسة «تداخلاتها» وكذلك القيام بعملية مقارنة مختلف الإمبراطوريات والمجالات اللغوية.
ومن خلال دراسة ظاهرة الهجرة إلى كل من بريطانيا وألمانيا تتم صياغة رؤية متكاملة لأوجه التشابه ونقاط الخلاف بين النموذجين الثقافيين الألماني والبريطاني، خاصة بواقع أن نسبة كبيرة من المهاجرين في بريطانيا هم من «دول» الإمبراطورية الاستعمارية السابقة، خاصة الهند وباكستان بينما أن الأتراك يمثلون نسبة كبيرة من الوافدين إلى ألمانيا، رغم عدم وجود أية رابطة «استعمارية» سابقة.
تتم الإشارة بأشكال مختلفة في مساهمات هذا الكتاب إلى مفهوم «التهجين» يحمل فكرة «الخلط» أساسا وجوهريا. واعتبارا من نهايات القرن الثامن عشر بدأ بالظهور «خطاب» يتحدث عن «المزج العنصري». وبالتوازي ظهرت أيضا مقولات تؤكد على تفوّق الأوروبيين بالقياس إلى الآسيويين والأفارقة.
كانت ترجمة ذلك على الصعيد الأوروبي هو «الخوف» من «انحلال» العرق الأوروبي بمن هم «أدنى» منه. بهذا المعنى جرى النظر إلى المطالبة بـسنقاء العرق الأوروبي» كمقولة تتماشى مع ذهنية عصر الاستعمار.
وإذا كانت الفترة الاستعمارية قد عرفت خطابا ذا نكهة «عنصرية»، فإن المساهمين في هذا الكتاب يؤكّدون على أن فترة ما بعد الاستعمار شهدت خطابا «مناهضا» للاستعمار ولما سمي بـ«الإمبريالية الثقافية».
بالمقابل أكدت أدبيات كثيرة على الآثار الإيجابية الكبيرة لـ«الامتزاج والتفاعل» على الهويات والثقافات الأوروبية. بالتوازي أكّد كُثر على تنامي الإدراك بواقع «التعدد الثقافي». تتم الإشارة في هذا السياق بأشكال مختلفة إلى أن التفاعل الثقافي، «التثاقف»، أي ما يدل على مفهوم «التهجين» بلغة «مؤدبة» قد عرف ازدهارا كبيرا في زمن العولمة.
وتتمثل إحدى النتائج التي يتم الوصول إليها في هذا الإطار بالقول أن العولمة تمثل بأحد وجوهها «تهديدا» على «الأمن الثقافي» عبر زيادة «سرعة وكثافة» «التهجين» الثقافي وليس «التناسق الثقافي»، كما يقول البعض.
وتتبدّى عملية «التهجين» التي تساعد عليها العولمة في زيادة «جرعة» الثقافة العالمية، أي «الأميركية» في الواقع العملي، فيما هو «محلّي» و«وطني»، وكذلك في الاستخدام الكبير لـ«المرجعية الأميركية» في مختلف الممارسات الاستهلاكية. يتم في هذا الإطار التمييز بين «التهجين» وبين «الهوية» ذات الثقافات المتعددة.
على ضوء مختلف الآراء والتحليلات المقدّمة في مساهمات هذا الكتاب يتم تحديد عدد من الخصوصيات التي يتمتع فيها كل من المجتمعين البريطاني والألماني في مجال تحديد الهوية الوطنية والثقافية والتأكيد على وجود مفاهيم متباينة لمسألة الاختلاف بسبب التمايز في الماضي الاستعماري وفي مجال الهجرة وسياسات الاندماج التي تبنّتها الحكومات البريطانية والألمانية المتعاقبة.
الكتاب: ثقافات هجينة دول متحفّزة
تأليف: اولريك ليندنر وآخرون
الناشر: رودوبي لندن 2011
الصفحات: 422 صفحة
القطع : المتوسط
Hybride culture, nervous states
Ulrike Lindner and
Rodopi- London 2011
224p.
