تكرّس ماري مونيك روبان كتابها الأخير لـما تسميه «سمومنا اليومية»، كما يقول عنوانه. السموم التي تقصدها المؤلفة نتناولها مع وجبات طعامنا كل يوم. وهي لا تتردد في وصفها بالسموم اعتمادا على الإحصائيات التي تقدمها المنظمة العالمية للصحة وغيرها من المؤسسات التي تعنى بالصحة العامة.
وتنقل المؤلفة عن منظمة الصحة العالمية أن معدل الإصابة بالأورام السرطانية في العالم يتضاعف خلال السنوات الثلاثين الأخيرة. وخلال هذه الفترة نفسها ازدادت نسبة الإصابات بسرطان الدم وبالأورام الدماغية لدى الأطفال بحوالي 2 بالمائة سنويا. كما تدل مؤشرات المنظمة العالمية للصحة إلى أن زيادة مشابهة عرفتها الأمراض العصبية وفي مقدمتها مرضا باركنسون والزايمر.
فكيف يمكن تفسير هذا كله؟
الإجابة على هذا السؤال تمثّل موضوع كتاب «ماري مونيك روبان» التي تشرح على صفحاته الثلاثمائة ما تسميه الأسباب الكامنة وراء هذا «الوباء» وتحدد القول انه من «مصدر بيئي». ذلك أنه يعود إلى انتشار حوالي مائة ألف جزئية كيميائية اجتاحت البيئة ودخلت بشكل أساسي في تغذيتنا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتشير المؤلفة أنها بدأت تحقيقها «المطوّل» عام 2004. ذلك على خلفية ما رأت به التهديدات الكبيرة التي قد تنجم عن الدور الذي تلعبه المجموعات متعددة الجنسيات على الصعيد الغذائي العالمي من خلال سيطرتها على عالم إنتاج «الزراعات المهجّنة» مثل القمح أو زراعات «السوجا المعاملة وراثيا» في الأرجنتين وغير هذا من الزراعات التي كانت تنتشر بسرعة في بلدان الجنوب.
وتشير المؤلفة في هذا السياق إلى واقع أن «الثورة الخضراء» الشهيرة ترافقت مع «إفقار الموارد الطبيعية» عبر تأثيرها على «نوعية التربة والمياه»، ومع حالة تلوّث معممة على البيئة بسبب «استخدام مبيدات الحشرات وأنواع الأسمدة الكيماوية».
وتشرح المؤلفة أن المزارعين أنفسهم هم أول ضحايا الاستخدام الكثيف لمبيدات الحشرات، وتشير إلى أن ضغوطا كبيرة يتم استخدامها من السلطات المستفيدة كي لا يتم الحديث عن هذا الأمر وعن المشاكل التي تسببها المبيدات لفترة عدة سنوات.
يتم التأكيد في هذا السياق أنه كان لا بد من انتظار سنوات التسعينات كي «تبيّن دراسات أميركية وإيطالية وسكندنافية أن بعض أنواع الأورام السرطانية هي أكثر شيوعا في الأوساط الزراعية مما هي في مجمل السكّان».
وتشرح المؤلفة أيضا بإسهاب الكيفية التي جرى فيها طرح مادة التحلية الاصطناعية «اسبارتام» في الأسواق بينما كانت الأوساط العلمية المختصّة قد أخطرت السلطات المسؤولة عن مراقبة التغذية أن «منافع» هذه المادة لا تتناسب مع الأخطار التي قد تسببها. ذلك على أساس أنها تحتوي على آثار جانبية ثانوية، وربما السرطان.
وتشرح المؤلفة في هذا الإطار كيف أن شركة «سيرل» المنتجة لمادة «اسبارتام» قد نجحت في أن تفرض على السياسيين طرح منتجها في الأسواق.
ومادة «بيسفينول GB» المستخدمة منذ فترة قريبة في زجاجات رضاعة الأطفال البلاستيكية، و«فونيلفينول»، تؤديان إلى «خلل على صعيد عمل الغدد»، كما تشير المؤلفة، وبالتالي لهما تأثير على عمل المنظومة الهرمونية والإنجاب .
النتيجة النهائية التي تصل إليها المؤلفة بالقول ان الرقابة على منتجات الصناعة الزراعية ــــ الغذائية تخضع لنفس الضغوط ولصراع المصالح مثل صناعة الأدوية، مع فارق أن هذه الأخيرة تخضع لسلسلة من الرقابات.
الكتاب: سمومنا اليومية
تأليف: ماري مونيك روبان
الناشر: لاديكوفيرت
باريس 2011
الصفحات: 300 صفحة
القطع: المتوسط
Notre poison quotidien
Marie Monique Robin
La Découverte - Paris- 2011
300p.
