روبير بادنتر، هو أحد أشهر رجال القانون الفرنسيين وربما العالميين، في الحقبة المعاصرة. كان وراء إلغاء عقوبة الموت في فرنسا عام 1981 وشغل منصب وزير العدل. وبعد أن قدّم عدة أعمال عن العلاقة بين القانون وآثاره على البشر صدر له مؤخرا كتاب تحت عنوان: «الأشواك والورود».
عن هذا الكتاب يقول المؤلف: «هذه حكاية رحلتي إلى بلاد السلطة. وهو يبدأ منذ غداة إلغاء عقوبة الموت في شهر أكتوبرــ تشرين الأول من عام 1981 وينتهي بمغادرتي لوزارة العدل في شهر فبراير 1986. إنني أتعرض فيه كثيرا للعدالة وأحيانا للسياسة».
هذه الجملة تدل بشكل بليغ على محتويات هذا الكتاب، ذلك أن المؤلف يعود بعد ثلاثين سنة إلى تجربته في كواليس السلطة. وإذا كان يؤكد على أن المعركة من أجل إلغاء عقوبة الموت كانت دائما أحد معاركه الكبرى في مجمل مسيرة حياته فإنه يشير إلى معارك أخرى كبيرة خاضها.
ولم يكن أقلها العمل على إلغاء القوانين «الاستثنائية» مثل تلك التي تخصّ «محكمة أمن الدولة» و«محاكم القوات المسلحة في زمن السلام». وبالمقابل العمل على تعزيز بعض المحاكم ذات الطابع الإنساني مثل اللجوء إلى «المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان». ويعود المؤلف إلى بداية «مغامرته» كوزير للعدل. ويشير أن تلك المغامرة بدأت مع تعيينه في ذلك المنصب.
ذلك أنه لم يكن جليا احتمال اختيار الرئيس فرانسوا ميتيران له كوزير للعدل. ذلك أنه، أي بادنتر، كان معروفا لدى الجمهور العريض بصفة «محامي المجرمين العتاة» من أمثال أحد أخطرهم «باتريك هنري» وغيره ممن أنقذهم من المقصلة. وفي ذلك الوقت أيضا كان 64 بالمائة من الفرنسيين من أنصار تطبيق عقوبة الموت التي كان يناضل ضدها.
وفي مثل ذلك السياق وبعد تعيينه وزيرا للعدل حرص بادنتر أن يعمل بسرعة مستفيدا من موجة التأييد الشعبي الكبير التي رافقت الاشتراكي فرانسوا ميتيران رئيسا للجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها الجنرال شارل ديغول عام 1958، وحيث كان أول وآخر رئيس يساري يتولّى هذا المنصب.
ويؤكد المؤلف أنه لاقى الكثير من المعارضات والاحتجاجات من شرائح عديدة تعمل في ميدان الثقافة وغيرها، لكنه قرر أن «لا يتوقف». ويذكر أنها ليست قليلة المرات التي كان يسمع فيها أحدهم يقول بصوت قوي بالقرب منه في مطعم أو غيره ما مفاده: «لقد تعرّضت جارتي للسرقة في الليلة الماضية، وهذا أمر لا يثير دهشتي بسبب وجود العدد الكبير من المجرمين الذين جرى إطلاق سراحهم من السجون».
ويتوقف المؤلف عند حدث يعتبره ذا دلالة كبيرة، وهو أنه في عام 1983 نظم رجال الشرطة مظاهرة أمام وزارة العدل بالعاصمة الفرنسية. ولم يكن من العناصر المكلّفة بحراسة الوزارة سوى أن رفعوا قبعاتهم تحية لهم.
ويشير بادنتر أنه عندما رأى أمامه جموع الشرطة تطالب «بادنتر أن يستقيل» قال لمعاونيه: «سوف ندافع عن أنفسنا حتى آخر مدى يسمح فيه القانون». كذلك يروي العدل الفرنسي الأسبق العديد من «المواجهات» التي خاضها مع نوّاب المعارضة في البرلمان.
وإذا كان بادنتر قد تعرّض لحملة نقد كبيرة من قبل جهات متعددة إعلامية وسياسية وبرلمانية وغيرها، فإنه يشير إلى أن معسكره قد بدأ نفسه يطرح بعض التساؤلات حول «الفاتورة الانتخابية» التي قد يدفعها في الانتخابات البلدية لعام 1983 بسبب الاستغلال الكبير الذي مارسه معسكر اليمين لموضوع «غياب الأمن». ويؤكد بادنتر أنه أصبح آنذاك بمثابة «الخروف الأسود» في الحكومة.
أحد مصادر الصعوبة يأتي من واقع الربط بين «الأمن» و«الهجرة». وكان هو المستهدف بصفته وزيرا للعدل، خاصة أنه جرى في عام 1981 «تسوية الأوضاع القانونية» لعدد هام من المهاجرين السريين. وصدر عفو في صيف عام 1981.
بكل الحالات يؤكد روبير بادنتر على مدى صفحات هذا الكتاب أنه لا ينبغي أبدا «استخدام الجريمة» كأحد أسلحة الكسب السياسي. ولا يتردد في تأكيده الحاسم أن جميع القوانين «ذات الطبيعة الأمنية المفرطة»، تأتي بنتائج عكسية. هذا على خلفية قناعة أن «عظمة فرنسا ونفوذها هما دائما على مقدار دورها في خدمة الحريات والعدالة».
الكتاب: الأشواك والورود
تأليف: روبير بادنتر
الناشر: فايار باريس 2011
الصفحات: 350 صفحة
القطع: المتوسط
Les épines et les roses
Robert Badinter
Fayard 2011 ــ Paris
350p
