يتحدث كتاب (التشكيل المغربي بلغة الذاكرة) لمؤلفه عبد الرحمن بن زيدان عن مدينة مكناس كفضاء وَلُود يخصب الأفكار، ويعرف كيف يستثمر كل أشكال الصراع لما فيه مصلحة وصيرورة المدينة، ويفتح يديه ككل قارئ يريد أن يعرف التراث والتاريخ والفنون والطقوس الصوفية والعمران، كعلامات ستجد ظلالها وملامحها وصورتها في العديد من التجارب التشكيلية التجريبية المغربية.
تعود العلاقة بين الفن التشكيلي والرسم، والكاتب إلى مرحلة الطفولة في ستينيات القرن الماضي، إذ عاش تجارب خاصة في دار الشباب بشارع أروا مزيل بمكناس،.
حيث كانت تمارس مجموعة من الأنشطة الفنية التي تدخل في التكوين، وكان يرى الأجانب زائري المدينة الذين كانوا يرسمون صوامع مكناس أو بانوراما المدينة؛ وكانوا يقفون مندهشين أمام عظمة الأبواب التي تختصر مهارة الصانع المغربي.
ومن خلال علاقته بفضاءات المدينة الذي زاده عشقاً للخط ما اكتشفه من جماليات الخط المجوهر، أو الخط الكوفي الذي يمزج بين الخط المغربي والأندلسي في وحدة متناسقة أخاذة، تكتب الآيات القرآنية، وتنسخ العديد من النصوص التراثية الشعرية منها والنثرية لتشكلها تشكيلاً متميزاً.
يوجين دولا كروا (1798ـــــ1863) الرسام الفرنسي والديبلوماسي العسكري، كان شاهداً على العصر في رحلة استكشافية للمغرب، استطاع أن يؤرخ للذهنية المغربية المغلقة، بعد أن عرف أسرار مدينة مكناس واندهش بالألوان الزاهية التي تزين حياة الناس في المدينة.
من هنا بدأ المؤلف يتعرف على السياقات التي تؤثر في النخبة، وبدأ يعرف كيف جاء هذا التأثر بهذا المنحنى عن بعض التشكيليين المكناسيين أو الفرنسيين الذين ظهروا في الثلاثينات من القرن العشرين، من بينهم اسماعيل العلوي الذي شارك في أوّل معرض مع الفرنسيين ومعهم الفنان العالمي بروندي بمناسبة معرض مكناس الفلاحي عام 1930.
لقد أراد أن يترجم المؤلف علاقته بهذا الفن إلى قراءة عاشقة، فكتب عن (اعمارة حسن) و(لطيفة التيجاني) التي مزجت مقومات الموهبة بتقانة وحرفية، صاغت بها هذه الموهبة في مواضيع مستمدة من البحث والتركيب وتوظيف مفردات التراث.
ومن نماذج الفن التشكيلي نجد الفنان حسين موهوب الذي انطلق من عصاميته فتمكّن أن ينقل اللوحة من التجريد ومن غياب المواضيع إلى كتابة كثير من قضايا المجتمع المغربي في فضاء اللوحة، واختار الفنان علي الشرقي الذي يشتغل على المباني والعمران والعلامات الأمازيغية، ولا يتوقف عن توظيف التراث الأمازيغي في الآلات الموسيقية والرسم على الحجر.
أمّا الفنان الحسين السخون فتنبع تجربته في الحياة من تجربة المجتمع، وكيف انتقل من حرفة ميكانيكي إلى فنان يراقب حركات الألوان. وتمثل شاعرية التشكيل عند الفنان بنيونس عميروش نقلة نوعية في مستوى التعامل مع فضاء اللوحة لتتحول إلى متحف من ذاكرة الفنون البصرية. وتفضي وفاء المزوار على لوحاتها أبعاداً خاصة تربطها بالطبيعة والجغرافيا والصحراء،.
وفي التجربة التي أسسها محمد مغيلف في نتاجه الفني يكون الاحتفال باللون الأزرق والعودة إلى موضوع الفرس والشبابيك والخط وشكل الفسيفساء، تمثل اهتماماً خاصّاً في كتابة اللوحة وتزيينها واختيار ألوانها. اختيار هذه الأسماء جاء وليد القناعة بوجود تجريب ووجود بحث تجديد، وتفرّد وتميز بالأسلوب الخاص الذي يميز كل تجربة.
الكتاب: التشكيل المغربي بلغة الذاكرة
تأليف : د.عبد الرحمن بن زيدان
الناشر: شركة الطباعة مكناس المغرب 0102
الصفحات: 166 صفحة
القطع: الكبير
