كثر النقاش في السنوات الأخيرة عن مكانة أوروبا عامة، وفرنسا خاصة، في ظل العولمة وبعد انهيار الاستقطاب الثقافي الدولي الذي ساد عقودا طويلة بعد الحرب العالمية الثانية. وجان بيير شوفنمان، الذي سبق وتولّى عدة حقائب وزارية من بينها الداخلية والتربية والدفاع، يقدّم كتابا اختار لعنوانه السؤال التالي: «هل انتهت فرنسا»؟
الخطوة الأولى التي يقوم بها المؤلف هي محاولة شرحه الأسباب التي دفعت فرنسا إلى هامش الفعل على المسرح الدولي مؤكدا أن ما حدث هو نتيجة «منطقية» للمسار التاريخي الفرنسي. ويرى أن الأزمة المالية العالمية التي انطلقت شرارتها من الولايات المتحدة الأميركية في خريف عام 2008 والنتائج التي أدت إليها في فرنسا بسبب خياراتها وخاصة المنعطف «اللبرالي» الذي عرفه اليسار الفرنسي منذ فترة رئاسة فرانسوا ميتران، ساهمت في النتيجة الراهنة.
ويرى مؤلف هذا الكتاب أن التاريخ «يعمل» على أساس دورات طويلة مثل الاقتصاد تماما. هذه الفكرة تتماشى جيدا مع مقولة المؤرخ الفرنسي الشهير فرنان بروديل، أحد رموز مدرسة «الحوليات» لكتابة التاريخ، عندما ربط التحولات التاريخية الكبرى بــ «المدى الطويل». ويشير شوفنمان بهذا الصدد أيضا إلى ما سمي بــ «دورات كوندراتيف» في الاقتصاد، باسم الاقتصادي الروسي الذي تحدث عن «تأرجحات الرأسمالية على فترة طويلة».
وتقول التحليلات المقدّمة أن هناك «دورات أيضا في السياسية بحيث قد تكون ذات علاقة وثيقة بالاقتصاد حيث إنه لا يمكن الفصل مثلا بين الإصلاح الذي قرره «روزفلت» وأزمة سنوات 1930 من القرن الماضي». يتم التأكيد أن الولايات المتحدة أصبحت قوة مهيمنة في العالم عبر الحرب العالمية الثانية في سياق نفس «الدورة» التي استمرت حتى سنوات السبعينات.
ولا يتردد جان بيير شوفنمان في القول أن الجنرال ديغول وفرانسوا ميتران يمثّلان «الشخصيتين» رجلي الدولة اللذين تركا أثرهما على القرن الماضي، العشرين. الجنرال ديغول «حمل مشعل الوطنية» ونادى بــ «فرنسا التي لا تقبل الهزيمة». وكان هو الرجل الذي أطلق «نداء التحرر» من لندن أثناء أكثر فترات التاريخ الفرنسي سوادا عندا احتلّ النازيون بلاده. واستطاع أن يضع فرنسا في صف المنتصرين وأن يعيد بناء الدولة. لكن ما تلا ذلك لم يكن مسؤولا عنه.
وفرانسوا ميتران الذي ولد عام 1916، أثناء الحرب العالمية الأولى، وشهد هزيمة بلاده «أمام هتلر عام 1940، امتلك إرادة تجاوز الهزيمة عبر تجاوز المحنة الفرنسية عبر الانتماء إلى المجال الأوروبي الأرحب على قاعدة مقولته الشهيرة: «فرنسا هي وطننا وأوروبا هي مستقبلنا». هذه المقولة قرأها جان بيير شوفنمان بطريقة أخرى حيث أصبحت: «فرنسا هي ماضينا، وأوروبا ستكون وطننا». هكذا فهمها كُثر، كما يقول مؤلف هذا الكتاب. لكن ما تلا لم يكن مسؤول عنه أيضا.
إن «أحلام» ديغول وميتيران لم تجد تجسّدها في الواقع الفرنسي. ففي شهر مايو-ايار 1968 واجه الجنرال «عدم فهم الشباب» لفرنسا كما أرادها. وميتران أراد أن يجعل من أوروبا «أسطورة» بديلة لإجراء التحوّل الاجتماعي الذي أراده الفرنسيون من وراء انتخابه رئيسا عام 1981. لكن «أوروبا» التي أرادها ميتران لم تخدم كــ «ثقل مقابل» للبرالية الجديدة الانكلوسكسونية. بل على العكس خدمت كــ «حصان طراودة» لولوج هذه اللبرالية إلى القارة القديمة، أوروبا. وكانت الاتفاقيات الأوروبية، خاصة مستريشت، ذات طبيعة لبرالية جديدة.
ويخلص المؤلف من تحليلاته إلى القول إن فرنسا بحاجة إلى الرؤيتين. رؤية ديغول «ذات النزعة الوطنية»، ورؤية ميتران «ذات النزعة الأوروبية». لكن الجمع بين فرنسا «قوية» وأوروبا مزدهرة يواجه ضغط القوة العظمى في الأمس والقوة العظمى في الغد، أي الولايات المتحدة الأميركية والصين.
الكتاب: هل انتهت فرنسا؟
تأليف: جان بيير شوفنمان
الناشر: فايار- باريس- 1102
الصفحات: 320 صفحة
القطع: المتوسط
La France est-elle finie -
Jean-Pierre Chevènement
Fayard - Paris- 2011
.p
