مجموعة من الحكايات والذكريات؛ ما يرويه المؤلِّف صباح قباني في كتابه (كلام عبر الأيام)، منها عن شقيقه الشاعر نزار قباني، الذي كتب شعراً فاقت غزارته غزارة ما كتبه أي شاعر عربي آخر منذ امرئ القيس.

في أواخر أغسطس ‬1939 سافر نزار في رحلة مدرسية إلى إيطاليا؛ وبعد أسبوع من وصوله مع أقرانه نشبت الحرب العالمية الثانية، فجزعنا عليهم وخشينا أن تتقطع بهم السبل؛ ولكن منظمي الرحلة استطاعوا تأمين سفينة عادت بالطلاب إلى وطنهم سالمين؛ وخلال تلك الرحلة نظم نزار أول قصيدة له وكانت قصيدة (حنين إلى دمشق).

وهكذا شهدنا كيف ذهب نزار إلى إيطاليا سائحاً فتياً وعاد إلينا في سبتمبر ‬1939 شاعراً واعداً وكان عمره آنذاك ستة عشر عاماً. و إذا كانت قصيدته الأولى حنين إلى دمشق، فإن آخر ما كتب في مارس ‬1998 كان أيضاً أنشودة حب لدمشق.

ثمَّ يتحدَّث صباح قباني عن (ريبيرتوار) أبو خليل القباني الذي كان يتضمَّن أكثر من سبعين مسرحية غنائية من تأليفه وتلحينه؛ قدَّمها في الشام بين عامي ‬1856 ــ ‬1884 وفي مصر بين عامي ‬1884 ــ ‬9001.لكن انبهار الناس بما قدم القباني في الفترة الشامية وتهافتهم.

ولاسيما الشباب منهم على حضور مسرحياته كان سبباً في إذكاء جذوة الحقد لدى المتزمتين الظلاميين؛ ومشاعر الحسد لدى (الكراكوزاتية) و(الحكواتية) الذين خشوا أن ينفض الناس من حولهم فينقطع رزقهم؛ فقاموا بحبك الدسائس ضده لدى ولاة دمشق العثمانيين بدعوى أنه يفسد أخلاق الشباب بمسرحياته؛ مع أنها كانت كلها من المأثور العربي الإسلامي؛ وأنه هو نفسه ينحدر من أسرة محافظة ولا تفارق العمامة رأسه. وعمد خصومه آخر الأمر إلى إحراق مسرحه؛ وبعثوا بصبية الأزقة لمطاردته في حارات دمشق ورشقه بالحجارة وشتمه بالعبارات النابية البذيئة.

وعندما أسقط في يد الرجل انزوى في بيته وقرر الهجرة إلى مصر؛ ومنذ الأيام الأولى لوصول القباني وفرقته إلى الإسكندرية وبدئه بتقديم مسرحياته ليلة بعد ليلة؛ استقبل الناس أعماله بالترحيب والإعجاب لدرجة أنَّ حاكم مصر آنذاك (الخديوي توفيق) أمر بأن تقدم له دار الأوبرا ليعرض مسرحياته فيها لأكثر من أسبوعين بلا مقابل.

وكان من أعضاء فرقته الذين وصل عددهم إلى خمسين شاباً أسماء مثل (عطا الأيوبي) الذي أصبح فيما بعد رئيساً للدولة السورية عام ‬1943 كما أصبح رئيساً لحكومتها عدة مرات؛ وصالح بيك بن عثمان وكان شاعراً ثمَّ أصبح فيما بعد أول طبيب أسنان عربي في دمشق؛ وأيضاً كان من أعضاء فرقته الشيخ عبد الرحمن قصار ونيقولا شاهين والشيخ رشيد عرفة وراغب الصيداوي؛ وكانوا من فرط حماستهم يقوم الواحد منهم بتأدية أكثر من دورٍ وعملٍ في مسرح القباني.

بعد ذلك يُورد الكاتب صباح قباني حواراً تمَّ بينه وبين الموسيقار محمد عبد الوهاب كان أجراه للتلفزيون السوري فيقول عبد الوهاب: أنا أمضيت خلال صباي الأول أياماً كثيرة في سوريا؛ وغنيت لها عددا من القصائد كان منها قصيدة (سلام من صبا بردى أرق) التي كتبها الشاعر أحمد شوقي حين قصف الفرنسيون دمشق بالقنابل أثناء الثورة السورية ضدهم.

وأنا أعتز كثيراً بصلتي الحميمة مع سوريا. ثمَّ يتحدث عبد الوهاب عن المراحل التي مرَّت فيها مسيرته الفنية، فيعتبر أنَّ المرحلة الأولى كانت حقبة (يا جارة الوادي) و(خايف أقول) و(كلنا نحب القمر)؛ وقد تميَّزت هذه المرحلة بالعرض الصوتي والتطريب.

وكان ذلك أمراً طبيعياً نتيجة الفقر في الفرقة الموسيقية التي تصاحب المطرب؛ أما المرحلة الثانية يقول الموسيقار عبد الوهاب فيمكن أن أسميها حقبة (الجندول) و(كيلوباترا) و(الكرنك)؛ وهي حقبة الاعتماد على تلحين الجمل؛ بعد ذلك جاءت مرحلة التعبير عن المعاني التي يصوِّرها مؤلِّف الأغنية، مثل أغنيات: (أيظن) و(لا تكذبي) التي تضمَّنت كلمات وعبارات جديدة على الشعر العربي.

ثمَّ يتحدَّث صباح قباني عن رسومات علي فرزات، فيقول: تراك أنك أمام لقطة «شابلينية» لا تعرف هل تبكي أم تضحك؟ فالجلاد ذو الجثة الضخمة والوجه المرعب والذي فرغ لتوِّه من تقطيع أوصال السجين والإجهاز عليه راح يتابع مشهداً تلفزيونياً عاطفياً يصوِّر فراق حبيبين، فغدا هو ينخرط في بكاءٍ حار حزناً على الحبيبة؛ وتختلط دموعه المنهمرة بدماء السجين التي غطَّت أرض الزنزانة؛ وليبرالية علي فرزات تجعله يضحك أحياناً على مواطنه المسحوق ويتهكم على انعدام فطنته؛ وذلك بسبب بؤسه وجوعه.

الكتاب: كلام عبر الأيام

تأليف: صباح قباني

الناشر: دار طلاس - دمشق - ‬2010

الصفحات: ‬264

القطع: الوسط