يبحث كتاب (المسلمون والحداثة الأوروبية) لمؤلفه خالد زيادة علاقة التأثير بين الكيان الأقوى للدولة الإسلامية (تركيا) وأوروبا في محاولة لقراءة العلاقات الإسلامية الأوروبية أو اكتشاف الحداثة الأوروبية وذلك من خلال البحث في علاقة الدولة العثمانية مع بدايات التقدم الأوروبي الذي أحاط بالعالم الإسلامي كله مع نهاية القرن 18 وبداية القرن 19باعتبارها تمثل حتى ذلك الوقت الدولة الإسلامية الأقوى.
يوضح المؤلف أن الفكر العربي اعتبر أن بداية اتصال المسلمين بالتقدم الأوروبي حدثت مع حملة بونابرت على مصر 1798على الرغم من إدراك الأتراك العثمانيين قبل قرن من الحملة الفرنسية مدى تفوق العسكرية الأوروبية على القوات العثمانية .
وإن لم تترك تجارب التحديث في تلك الفترة آثارا في الولايات العربية على عكس القرن 19 أو الفترة التي عرفت بالتنظيمات والتي تركت آثارا في كل من سوريا ولبنان والعراق ومصر وتونس لينفصل المصير السياسي العربي عن التركي بعد الحرب العالمية الأولى وإلغاء السلطنة.
ورأى المؤلف أن البحث في تلك العلاقة يفتح المجال لفهم أعمق للمسائل والمشاكل التي رافقت التحديث بجوانبه التقنية والعلمية والفكرية، وزيادة الفهم لمسائل التطور التاريخي؛ موضحا بأن العالم الإسلامي الذي وقع على أبعاد متفرقة من أوروبا امتد إلى الصين فَقَد وحدته السياسية مع مطلع العصور الحديثة ومع أن الدولة العثمانية مثلت الدولة الإسلامية الأقوى، لكنها لم تمثل جميع المسلمين.
حيث إنها فقدت سيطرتها على مجموعات واسعة من مسلمي آسيا الأمر الذي أدى بطبيعة الحال إلى قيام الحكم الذاتي لها، كما فقد لغته الموحدة وإن لم تكن لغة وحيدة فانتشرت الثقافات ذات الأصول الأسيوية والأفريقية المختلفة داخل الإسلام، وكل هذا أدى إلى دخول المؤثرات الأوروبية مع بديات العصر الحديث.
ويذكر المؤلف أن أشكال الاتصال بالأوربيين كانت مختلفة، ففي الطرف الآخر من العالم الإسلامي قام هذا الاتصال عبر السفراء الذين ينقلون ما شاهدوه في أوروبا إلى بلادهم، وفي الوسط الإسلامي كان الاتصال عبر الاستعانة بخبراء أوروبيين للاستفادة منهم.
ويتوقف المؤلف عند تفكير الدولة العثمانية في إعادة قوتها بعدما ظهرت بها من ملامح الضعف في الداخل رغم تمتعها بالقوة تجاه أعدائها من خلال محاولات لمعالجة تدهور الإدارة وضعف العسكرية، فجاءت المحاولة الأولى منتصف القرن الـ16 وكانت بمثابة المبادئ التي استند إليها ما جاء من عثمانيين فيما بعد،.
حيث كتب لطفي باشا أحد وزراء عهد سليمان القانوني رسالة بعنوان (آصاف نامة) طرح فيها أفكارا حول ضرورة معالجة ضعف الأجهزة والمؤسسات، وكانت أبرز تلك المحاولات التي شرحت بالتفصيل أسباب انحطاط الدولة العثمانية تلك التي رفعها قوجب بيك إلى السلطان مراد الرابع عام 1630، وهدفت إلى تثقيفه حول مسائل الحكم وتعريفه بشؤون الإدارة، حيث ركزت على نقد الممارسات الخاطئة مهما كان مصدرها والأجهزة الرئيسية في الدولة وهي أجهزة الحكم والإدارة والجيش والعلم، وما لحق ذلك من محاولات جاءت على وتيرة النقد لكشف أسباب الضعف.
ويتحدَّث المؤلف عما شهدته الدولة العثمانية من انفتاح على علوم أوروبا، وبداية تكون طبقة جديدة من المتنورين العثمانيين العارفين باللغات الأوروبية والطامحين إلى تحديث دولتهم، وقد شهد عهد السلطان عبدالحميد محاولات نشطة لإصلاح المؤسسات العسكرية والعلمية، وكانت المؤثرات الفكرية الأوروبية بشكل عام والفرنسية بشكل خاص تفعل فعلها في اسطنبول وتنفذ إلى العاصمة عن طريق السفراء والخبراء.
وقد ترك الانفتاح على أوروبا وفرنسا آثارا واضحة على جيل عثماني، فتكونت فئة من الضباط والإداريين المطلعين على الأفكار والشعارات الفرنسية وكانوا ينظرون إلى الفرنسيين بصفتهم الموجهين لما هو أفضل.
ويعرض خالد زيادة لأكثر المؤثرات وضوحا على العثمانيين التي أتت من الفرنسيين ، فبدا أن الكتابة والقراءة باللغة الفرنسية كانت تعني بداية الابتعاد عن منهج تفكير سائد منذ أجيال، وكانت بمثابة الطموح للدخول في الكونية والعالمية والخروج من دائرة العزلة؛ الأمر الذي لا يمكن للغات الإسلامية أن تحققه.
الكتاب: المسلمون والحداثة الأوروبية
تأليف: تأليف: خالد زيادة
الناشر: الهيئة المصرية للكتاب
الصفحات: 300 صفحة
