يبحث هذا الكتاب الجماعي في طبيعة المصاعب والإشكاليات والسبل والتحديات التي يواجهها الدبلوماسيون الأميركيون في بدايات هذا القرن الحادي والعشرين. وعبر هذا تتم في واقع الأمر دراسة الآليات التي تحكم السياسة الخارجية الأميركية بشكل عام والتي يتم تحديد الصفة الرئيسية لهذه السياسة بأنها تميل إلى «الهيمنة» وفرض الرؤية الأميركية على الجميع، أصدقاء وخصوم.
ومن الأفكار الأساسية التي تتردد في مساهمات هذا الكتاب القول ان الدبلوماسيين الأميركيين يجدون أنفسهم في السياق العالمي «المعقّد» الراهن مرغمين على إعادة النظر في طريقتهم التفاوضية نظرا لواقع «التقهقر» الذي تواجهه قدراتهم الفعلية في فرض رؤيتهم على الآخرين وفي مواجهة التحديات الراهنة التي تتطلب معالجتها نهجا آخر غير «الدبلوماسية الشمولية».
إن المشرفين على هذا الكتاب والمساهمين الرئيسيين فيه، ريشارد سولومون ونيجيل كويني، أجريا مقابلات مع حوالي خمسين من المفاوضين الأميركيين والأجانب. ويخرجان من هذا بنوع من «تصنيف» سلوكيات المفاوضين الأميركيين بالاعتماد على أربعة دوافع أساسية تتمثل في «البعد العملي ــ البراغماتي ــ الذي يتحلّى فيه رجل الأعمال من أجل الوصول إلى نتائج ملموسة» و«الحرص الذي يتحلّى فيه المحامي من أجل الخوض في أبسط التفاصيل» و«التصرّف من موقع القوة العظمى التي تريد فرض شروطها على الآخرين» وأخيرا «الحس الأخلاقي للمهمة المطلوب إنجازها».
وفي إطار هذه الدوافع يبحث المساهمون الكيفية التي يستخدم فيها الأميركيون الزمن واللغة ومحاولات جذب الآخرين ومختلف وسائل الضغط حول طاولة المفاوضات والاستخدام، أو «عدم استخدام» وسائل الإعلام كورقة في المفاوضات واللجوء إلى لقاءات «غير رسمية» بعيدا عن الاجتماعات الرسمية. ومن هذه الزوايا كلها يقدّم هذا الكتاب دليلا ذا فائدة كبيرة من أجل فهم السبل الفاعلة أثناء جولات التفاوض مع الدبلوماسية الأميركيين وغيرهم ممن يقومون بمهمة التفاوض هذه.
بكل الحالات يتم التأكيد في التحليلات المقدّمة على أن المفاوضات تأخذ أهمية أكبر فأكبر كأداة في السياسة الخارجية الأميركية. وهذا ما شجّعت عليه العولمة حيث أن العديد من المشاكل أصبحت تتطلب اليوم إجابات عالمية هي الأخرى. ثم إن «السمة العالمية» للمصالح الأميركية جعلت المفاوضين الأميركيين في حالة «استنفار» مستمرة.
وفي جولات تفاوضية ثنائية أو متعددة الأطراف. والسمات الأساسية التي تتميز بها طريقة التفاوض الأميركية في السياق الدولي الراهن هي مزيج من «الحس العملي ــ البراغماتي» و«تأكيد التفوّق الأميركي»، هذا إذا لم يكن «السيطرة» و«الهيمنة».
ومن المسائل التي يتردد التأكيد عليها في تحليلات هذا الكتاب، القول أن مسار المفاوضات الأميركية يخضع بدرجة كبيرة إلى تأثير الطبيعة السياسة والبيروقراطية للواقع الحكومي الأميركي نفسه. هذا الواقع يعاني من الضغط الكبير فيما يخص اتخاذ القرارات.
حيث ان الرئيس الأميركي يتمتع بصلاحيات كبيرة لكنها خاضعة بالوقت نفسه لنفوذ الكونغرس. كما ان هناك الدور الكبير في آلية اتخاذ القرارات للرأي العام الأميركي و«الأوراق» الانتخابية التي يمتلكها. وأيضا الوزن الكبير لمصالح القطاع الخاص الخاضع عامة لنفوذ مجموعات الضغط القوية.
مثل هذا التوزّع في القوى المؤثرة باتخاذ القرارات له أيضا تأثيره المباشر على بلوغ التوافق العام فيما يتعلق بتحديد أهداف أية مفاوضات جارية. والنتيجة هي أن المفاوضين الأميركيين يجدون أنفسهم غالبا أمام ضغوط لإعادة التفاوض حول اتفاقات كان قد جرى إبرامها مع المفاوضين الأجانب. هذه الظاهرة في «تبدّل الرهانات أو الأهداف لمفاوضات ما هي إحدى السمات التي تتصف فيها بامتياز الدبلوماسية الأميركية»، كما نقرأ.
الكتاب: الطريقة الأميركية بالتفاوض
تأليف: ريشارد هـ.
سولومون، نيجيل كويني وآخرون
الناشر: معهد الولايات
المتحدة للسلام ــ واشنطن ــ 2010
الصفحات: 357 صفحة
القطع: المتوسط
American negociating behavior
Richard H. Solomon, Nigel Quinney and
United States Institute of Peace Press- Washington- 2010
p.
