أولى الاقتصادي والأستاذ الجامعي البريطاني بول سيبرايت اهتمامه الأكبر لدراسة «التضامن الإنساني». وكان قد قدّم عام 2005 النسخة الأولى من كتابه «رفقة الغرباء، تاريخ طبيعي للحياة الاقتصادية» ثم أعاد النظر فيها وأعناها ليقدم طبعتها الجديدة تحت نفس العنوان.
إن التحليلات التي يقدمها المؤلف هي مزيج من الاقتصاد وعلم الاجتماع بالدرجة الأولى، هذا في سياق التطور وليس ثبات الأوضاع.
ولا يتردد في التأكيد أن «الثقة» التي تتسم فيها الأفعال المتداخلة اليومية لبشر مجهولين بالنسبة لبعضهم البعض تمثل إحدى الميزات التي يتسم فيها الجنس البشري، ذلك أن مثل هذه الثقة معدومة تماماً في مجتمع الحيوان.
وبعد أن يشير المؤلف إلى أن البشر قد «يخرقون» غداً ما كانوا قد قبلوا باحترامه اليوم، يؤكد أن الأعراف والقواعد الاجتماعية السائدة هي التي تحكم ردود أفعال البشر باعتبارهم أعضاء في مجموعات وليس مجرّد أفراد. ثم إن «المنظومة» هي التي تضمن سير آليات المجتمع. الأفراد يزولون لكن المنظومات بمجملها تتابع العمل.
يتم التأكيد في هذا النهج من التحليل أن «الاتفاقيات» التي تدعم أمننا الواقعي لا يتم التنسيق بينها في مكان واحد مثل منظمة الأمم المتحدة أو البنتاغون، ولكن هي في واقع الأمر نتيجة مليارات من القرارات الفردية الخاصة بالطريقة التي يتصرّف بها البشر حيال جيرانهم وزملائهم ونظرائهم.
لكن في بعض الحالات والظروف، مثلما جرى في رواندا بمنطقة البحيرات الإفريقية التي عرفت مذابح ذهب ضحيتها مليون شخص، تتعطّل «الاتفاقيات» المعمول بها إنسانياً بحيث يصبح الجيران والزملاء والنظراء مصادر خطر للآخرين. هذه الحالات هي «نادرة» لحسن الحظ، كما يقول المؤلف، ليشير أن المجتمعات تمتلك دائماً قدرات كبيرة على تجاوزها.
ويشرح المؤلف أن حالة «التضامن» و«الثقة» التي شاعت بين البشر في المجتمعات التاريخية الأولى ثم تعززت مع مرور الزمن لم تأت فجأة. ولكن كان ثمنها ملايين المآسي «التي لم يسجلها أحد».
ثم إن التجّار المتجوّلين الأوائل كانوا ورثة المحاربين قبلهم. لكن هذا لا يمنع واقع أنهم كانوا «الأبطال الحقيقيين» لحضارتنا اليوم.
ويحدد المؤلف سبباً أساسياً في تشكّل «الحالة الجنينية» لهذه الحالة وهو الحاجة.ويرى المؤلف أن «الحاجة» ولّدها الواقع البدائي الذي عاشه أبناء مجتمعات ما قبل التاريخ.
ذلك أن العديد من المجموعات المعزولة آنذاك في زمن «الصيد والقطف» عاشت أوضاعاً محفوفة بالمخاطر وتتسم بقدر كبير من الهشاشة والمجاعات المتكررة والأوبئة. بعض تلك المجموعات «خاطرت» بمدّ يدها طلباً للمعونة من الآخرين «الغرباء».
دفع قسم من «المخاطرين» بطلب العون الثمن غالياً في حالات كثيرة. لكن أولئك الذين نجحوا في كسب «ثقة» الغرباء و«تضامنهم» هم بمثابة «أجداد الأحياء اليوم»، كما يقول المؤلف.
إن المؤلف يؤرّخ عامة في هذا الكتاب لــ «الحياة الاقتصادية للبشر» ويجد أن مفهوم «الثقة» هو الذي أسس للتضامن الذي تقوم عليه المجتمعات الحديثة. وتحديداً «الثقة» بالتعامل مع «الغرباء»، الآخرين من غير الأسرة القريبة في المجتمعات القديمة و«الغرباء» الآخرين من غير مجتمعات وشعوب الحضارات الحديثة.
هذه «الثقة» يدرسها المؤلف في مختلف المشارب التي شهدتها المجتمعات في تطورها من المقايضات ودورات المال الأولى ووصولاً إلى المنظومات المصرفية ومروراً بالأسواق والملكية والدفاع والزراعة والمدن واللغة والكتابة ومختلف المؤسسات الحيوية في مسارات المجتمعات الإنسانية.
كذلك يدرس المؤلف ميول الأفراد في التصرّف أحياناً حسب ما يفضلونه دون الاهتمام بالنتائج على المجموعة. هذه «النتائج» قد تكون «مفيدة» أحياناً عبر «تنشيط التجارة» والأسواق عبر المبادرات الفردية.
وقد تكون سيئة أحياناً مثل المساهمة في زيادة التلوث وتخريب البيئة. تتم الإشارة هنا إلى الإشارة الصريحة لمفهوم «الصالح العام» في دستور الولايات المتحدة بالنسبة للعاملين في نفس القطاع.
الكتاب: رفقة الغرباء تاريخ طبيعي للحياة الاقتصادية
تأليف: بول سيبرايت
الناشر: جامعة برينستون
0102 الصفحات: 368 صفحة
القطع : المتوسط
The company of strangers
Paul Seabright
Princeton University Press- 2010
368p.
