عند سقوط جدار برلين في مطلع شهر نوفمبر من عام 1989 سادت فكرة مفادها أن الرأسمالية قد انتصرت نهائيا على منظومتها «المنافسة» الاشتراكية.
لكن بعد عقدين من الزمن فقط من تلك اللهجة «الظافرة» للرأسمالية ها هي تعاني اليوم من الاحتضار، كما يشرح الباحث الفرنسي «بول جوريون» في كتابه الذي يحمل عنوان «الرأسمالية المحتضرة».
فما الذي حصل خلال هذين العقدين؟
هذا هو السؤال الذي يجيب المؤلف عليه في كتابه، ويشرح أن الرأسمالية وجدت نفسها غداة انهيار جدار برلين «محرومة من الأعداء».
وتوقفت عن أن تكون منظومة اقتصادية بين منظومات أخرى لتصبح «الطريقة الوحيدة» التي يمكن للاقتصاد أن يعمل على أساسها. ويرى المؤلف أن الثمانية عشرة سنة التي تفصل بين انتصار الرأسمالية واحتضارها تدفع إلى الاعتقاد أن المنظومتين المتناحرتين، الرأسمالية والاشتراكية، جرى «طرحهما أرضا» من قبل العلّة نفسها.
والسبب هو أن تنظيم المجتمعات الإنسانية وصل إلى عتبة من التعقيد لا يمكن بعدها إلا أن تنتصر الفوضى. وحيث أن الهشاشة المفرطة لا بدّ وأن تدفع المنظومة الرأسمالية في السياق الحالي إلى خسارتها.
وتفسير آخر يقدمه المؤلف لحالة العجز التي وصلت إليها الرأسمالية بواقع أنها «تحتاج دائما إلى عدو» كي تستطيع التماسك وتوحيد صفوفها أمام التهديد الخارجي، كما تستطيع التماسك وتوحيد صفوفها أمام التهديد الخارجي. كما كان الأمر أثناء وجود المنظومة الشيوعية السابقة.
وتفسير ثالث يتمثل في القول أن المبالغة في اللجوء إلى الاقتراض في الدول الرأسمالية ذاتها، والولايات المتحدة الأميركية في مقدمتها، من أجل تحقيق الأهداف التي يدعو لها مجتمع الاستهلاك.
وبالتوازي تحقيق أهداف دفع الإنتاج بغرض زيادة المكاسب، كان لا بد إلا أن تؤدي المبالغة في الاتجاهين، إلى تمركز الثورة بيد القلة بحيث كان من المحتوم تضعضع المنظومة كلها ذات يوم.
هذه التفسيرات الثلاثة تواجدت بطريقة أو بأخرى، وإلى هذه الدرجة أو تلك، في النظام الرأسمالي. وقد«تضافرت جهودها» لتبرز نتائجها خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
هذا الأمر يفسّر، برأي المؤلف، نشوب الأزمة المالية العالمية التي لا يزال العالم يعاني من آثارها. بل ويرى أن أفق الخروج منها لا يبدو واضحا. ويضرب المؤلف عدة أمثلة على حجب السلطات للمعلومات عن الأسواق، وغياب الشفافية عن هذه الأسواق.
والمثال الأكثر شهرة عن ذلك هو أنه في إطار ما عُرف بــ «خطة إنقاذ المؤسسات المالية في الولايات المتحدة» خلال فترة 2008-2010. لقد أكّدت السلطات المختصة يومها أنها لن تكشف عن أسماء البنوك المستفيدة من الخطة إلا إذا صدر قرار قضائي بذلك.
حجة رفض الكشف هو أنه «سيحرّض» المستفيدين من المساعدات وسيسيء لقوانين المنافسة. كان الخيار إذن هو بين الشفافية والمنافسة. وبالتالي «انتصرت» المنافسة.
والأمر نفسه تكرر في خريف عام 2010 عندما رفض البنك المركزي الأوروبي الكشف عن المعلومات الخاصة بما جرى عمله لدى الأسواق كي تستطيع اليونان الخروج من أزمتها التي دفعتها آنذاك إلى حافة الإفلاس. باختصار كانت الشفافية «صعبة التحقق» بالنسبة لليونان وكذلك بالنسبة للأسواق الأوروبية عامة، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب.
فقدان الملاءة
يؤكد المؤلف أنه في مختلف الحالات كانت تتردد نفس الحجج والمقولات. ذلك أنه «بنظر السلطات ، في أميركا وأوروبا ، لم تكن الأسواق صلبة إلى درجة يمكنها معها أن تتحمّل حقيقة الأسعار. بصراحة كانت تفتقد للملاءة المالية»، كما يكتب المؤلف. في محصلة التحليل لواقع الرأسمالية اليوم يرى بها المؤلف «آلية هائلة تتباطأ حركتها أولا قبل أن تتوقف».
الكتاب: الرأسمالية المحتضرة
تأليف: بول جوريون
الناشر: فايار باريس 2011
الصفحات: 352 صفحة
القطع : المتوسط
Le capitalisme à l'agonie
Paul Jorion
Fayard - Paris- 2011
352p.
