عمل مؤرخ الفن الفرنسي «جان كلير» رئيسا لتحرير مجلة فنية طليعية في سنوات السبعينات تحت عنوان «وقائع الفن الحي»، لكنه تحوّل بعد ذلك إلى ميدان النقد الفني كي يصبح في عداد كبار «النقّاد الجماليين المعاصرين»، حسب التوصيف السائد عنه.
وبعد كتاب نقدي شهير أصدره عام 2007 تحت عنوان «حالة استياء في المتاحف». صدر له مؤخرا كتاب جديد تحت عنوان «شتاء الثقافة»، الذي يبدو وكأنه استكمال لما جاء من أفكار في الكتاب الأول.
المؤلف يركز في «شتاء الثقافة» على ما يسميه «الإغراء التجاري للمتاحف» و«فن التجّار». هذا إلى جانب القيام بعملية «تشريح» لمنظومة «الفنون الجميلة».
ولعلّ من أهم الأفكار التي تتردد على مدى تحليلات هذا الكتاب بأشكال مختلفة تأكيد المؤلف على «زيادة جهل الجمهور» بما يعنيه الفن وحيث أن الثقافة عامة فقدت من جوهرها بحيث أنها فقدت، والفن في ركابها، مواطن سموّها لتميل نحو إنتاج يهدف فقط للتسلية وللتسويق.
ولا يتردد «جان كلير» في الحديث عن المتاحف اليوم وكأنها «مسالخ ثقافية» و«مستودعات للحضارات الميتة» وأمكنة يحتاجها السائحون «لا قيمة للفائدة الفكرية والروحية التي يجنونها». ويضع المؤلف تحت نفس الخانة «المتاحف» و«المعارض الفنية» حيث أصبحت المسألة تتعلق بــ «طقوس» أكثر مما تتعلق بــ «إبداع».
والنتيجة يحددها بالقول أننا اليوم أمام أسماء كثيرة متبوعة بصفة «فني» مثل «الشؤون الفنية» والمنتجات الفنية» و«النشاطات الفنية» و«أوقات الفراغ الفنية» و«المنشّطون الفنيون» و«المنظمات الفنية» و«مدراء التطوير الفني» ووصولا إلى «مدراء التسويق الفني».
إن المتاحف هي «مستودعات الحضارات الميتة» فإنه قد أصبح من النادر العثور على من يستطيع «إجادة قراءة محتوياتها» ومدلولاتها. ويطرح المؤلف في هذا الإطار السؤال التالي: من أجل من ولماذا هذه المتاحف؟.
ويرى أن ما يجمع زائري هذه المتاحف هو نوع من «الطقوس» بعيدا عن أي معتقد مشترك على جميع المستويات.
ومن المشاكل الكبرى التي يتعرّض لها المؤلف تحت عنوان «من معرفة الإبداع إلى معرفة البيع» مشكلة غلبة الحس التجاري على عالم الفن.
هذا بحيث أنه لم تعد هناك «مهنة» ولا «أرباب مهنة». لقد ولّى وانقضى الزمن الذي كان الرسّام سابقا يلقى المساعدة من قبل طلبته والمتدربين عنده الذين كانوا بمثابة «أياديه الصغيرة» التي تحضّر له عمله وأحيانا تقوم بــ «نقل، نسخ» أعماله ويتساءل المؤلف:
«ما هو التعليم الذي يمكن تقديمه اليوم في مدارس الفنون الجميلة التي لم يعد لديها ما تقدمه وهو ليس معرفة أسرار مهنة ولكن معرفة البيع لسوق»؟
يوجّه المؤلف نقده اللاذع والصريح لممارسة تقوم بها المتاحف الكبرى من أمثال «اللوفر» و«فرساي». وتتمثل في عرض أعمال «فنانين» مغمورين إلى جانب عمالقة من أمثال «فان ايك» و«رامبرانت».
هذه الممارسة تبدو للمؤلف بمثابة «تزييف». ذلك أن من يعرضون أعمالهم في «أمكنة العظمة» هذه يملكون توصيف «الفنانين المعاصرين»، وحيث ربما هناك كُثر غيرهم أكثر أهلية منهم لذلك.
ويقوم المؤلف بالمقارنة بين سلوكية، ينقل له أحد أصدقائه أنها شاهدها في «متحف سيول» خلال سنوات السبعينات المنصرمة، تمثلت في «انحناء الزائرين» أمام تماثيل بودا التي كانت موجودة في المتحف بــ «صفة أعمال فنية» وسلوكيّة زوّار «اللوفر» أمام اللوحات مهما كانت دلالاتها الروحانية.
الكتاب: شتاء الثقافة
تأليف: جان كلير
الناشر: فلاماريون باريس 2011
الصفحات: 128 صفحة
القطع: الصغير
L'hiver de la culture
Jean Clair
Flammarion - Paris- 2011
128p.
