يناقش كتاب «مدخل لتأسيس الدولة المدنيَّة في مصر» لمؤلفه د. جهاد عودة الدولة كفكرة مؤسسية، ويتحدث عن محنة الليبراليين المصريين، موضحاً أن لهذه المحنة وجهين: أولهما ذاتي والآخر موضوعي،.
وينصرف الأول إلى قدرتهم على التجمع والاتصال الفعال لإنشاء مفهوم سياسي واحد وخلق فعل سياسي جمعي ومؤثر في السياسات العامة، فيما يشير الثاني إلى التاريخ السياسي لتطور البيئة السياسية المصرية من حيث إنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ومساحة البيئة والثقافة السياسيتين تصغر وتضيق أمام المفهوم الليبرالي وتخلي مواقعها لصالح رؤى سياسية إخوانية وماركسية.
وينتقل المؤلف للحديث عن الدولة كفكرة مؤسسية، فيقول: للسلطة مفهومان أحدهما ينصرف إلى الاستطاعة الشاملة لتتساوى مع فكرة القوة العامة، والثاني يشير إلى إطار مؤسسي معين كأن نقول هناك سلطة سياسية أو اقتصادية أو غيرها.
وسواء أكان التعريف عاماً أو مؤسسياً فهو يدل في معناه اللغوي على سلطان فرد على آخر، الأمر الذي يقول لنا إن السلطة تقاس بالقدرة التي يظهر عليها الفرد أو مجموعة أو مؤسسة أو هيئة ما.
وينتقل المؤلف لمناقشة مستقبل نظام الحكم في مصر، من خلال عدة محاور أولها ماهية الرئيس القادم، والحديث عنه، كما يقول المؤلف، حديث متصل بشكل واسع وجوهري حول مدى تفاعل قوى النخبة السياسية بأجنحتها المختلفة وارتباطاتها الداخلية والإقليمية والعالمية مع قوى المؤسسات السياسية الرسمية وغير الرسمية في البلاد لخلق أنماط من الاحتمالات سواء المتوقعة أو غير المتوقعة بشأن رسم مستقبل هذه المسألة.
ومن المحاور التي تساهم في مستقبل الحكم في مصر، الاتجاه نحو تطوير ديمقراطي؛ بمعنى بناء نموذج فكري مصري لمفهوم المصالح المرسلة.
ويرى المؤلف أن التطور الديمقراطي في بلدان العالم يرشدنا إلى أن كل ديمقراطية لها مسارها الخاص في التطور العام والمؤسس، فالديمقراطية الألمانية والفرنسية والإنجليزية والأميركية وغيرها شقت طريقها المتفرد وخلقت نموذجها الخاص في صياغة المعادلات الخمس السابقة لعلاقة الدولة والمجتمع.
والتحدي الكبير الآن هو كيف نضيف النموذج المصري للديمقراطية؟ من المفضل أن يصاغ النموذج المصري ليعكس مبدأ ديمقراطية الدولة، ومبدأ قوة المجتمع المدني المحلي الذي يقوم على آلية العيش المشترك.
ومبدأ الإصلاح الفكري الذي يشير إلى علو الواقع وتعقيداته على التصورات الأيديولوجية والدينية بفرقتها الإسلامية والمسيحية المتشددة، من حيث إنها في الأساس تصورات تقوم على التمييز بين المواطنين، وأخيراً الاندماج العالمي.
لكن من المؤسف، والكلام لجهاد عودة، أن الواقع المصري ليس مؤهلاً بشكل كبير لصياغة نموذج ديمقراطي به، وهذا لسبب واحد كبير وهو أن القوى الديمقراطية مازالت غير واثقة في الديمقراطية، وأن نضالها الديمقراطي سوف يساعد على بزوغ الديمقراطية، فمازالت هذه القوى متوجسة من توحش الفاشية الدينية.
بل مازال الواقع ينبئ باحتمالات انتصار الفاشية الدينية، فمصر في مفترق الطرق ولابد من تكاتف كل الأجنحة التنويرية والليبرالية والديمقراطية داخل الدولة وخارجها للانتصار في الصراع ضد الفاشية الدينية.
وينقلنا د. جهاد إلى تساؤل آخر وهو: لماذا لا يشعر المصري بالأزمات المالية العالمية؟ بل السؤال الكبير: لماذا يشعر المواطن بأن هذه الأزمة لا تخصه، هذا رغم أنه تاريخياً كانت مصر مرتبطة بالأحداث العالمية بشكل شعبي كبير حتى التسعينات من القرن الماضي؟ ولكن هذا التغيير،.
كما يقول عودة، يرجع للأسباب التالية: أن مصر مازالت تسجل مستوى ضعيفاً من مؤشرات العولمة، ويقصد بذلك المؤشرات الدالة على مدى الاندماج في العالم على كل المستويات المادية والثقافية..
هذا فضلاً عن أن المصري مازالت العوامل المحلية والإقليمية تشكل وجدانه العام بشكل أكثر كثافة وعمقاً من العوامل العالمية، ومن تلك الأسباب أيضاً أن السلطة السياسية في مصر حريصة منذ ظهور علامات العولمة على العالم على رؤية العولمة كعملية تؤدي إلى تفتيت الأوطان وتشتيت المواطن وضياع الهوية.
وأخيراً صار المواطن المصري يعتقد في وعيه العملي أن العولمة هي من العوامل الرئيسية التي تسبب الخصخصة وارتفاع الأسعار والاستغلال العام وعدم العدالة.. فالمواطن البسيط لا يفصل بين عملية العولمة وبين عملية التحرر الاقتصادي عبر العالم، نعم العمليتان مرتبطتان ولكنهما ليستا عملية واحدة.
الكتاب: مدخل لتأسيس
الدولة المدنيَّة في
مصر
تأليف: د. جهاد عودة
الناشر: الهيئة المصرية
العامة للكتاب
2010
الصفحات: 200 صفحة
القطع: الكبير
