يعتبر كتاب (ابن خلدون: بين نقد الفلسفة والانفتاح على التصوف) لمؤلفه محمد أيت حمو أن الهجوم الذي شنه ابن خلدون على الفلسفة لا يشمل كل أقسام الفلسفة، بل يتعلق بالقسم الإلهي فقط.
وهو يقرّ بأن العمران يزدهر عندما تنشر العلوم العقلية جملة، التي هي في كنهها فلسفية، وكأنه يسلم بالترابط الموجود فيما بينهما.
ويؤكد المؤلف أنه كان يقرّ بأن العلوم العقلية مشتركة بين كل الثقافات، باعتبارها صنفاً طبيعياً، في مقابل الصنف النقلي الذي يخص كل ثقافة على حدة، حيث الصنف الطبيعي (هي العلوم الحكمية الفلسفية.
وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره، ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها).
ويعتبر المؤلف بأن هناك في المتن الخلدوني فلسفة هادئة مبثوثة، تطرح أسئلة فلسفية عن التاريخ والعمران والمجتمع.
وتخوض في مسائل وجودية، مع التسليم بالأجوبة الدينية. وتتجلى هذه الفلسفة الهادئة والعميقة، أكثر من فلسفة معظم الفلاسفة، في انتقاده لطرق التعليم ومضامينه في زمانه.
ويمكن القول أن ابن خلدون يظهر بوصفه عدواً لنظرية الفلاسفة فيما بعد الطبيعة بحيث يعارضها بنظرية الذريين، ونصيراً للحل (الإيماني) بخصوص المعرفة الماورائية.
ويبرّر بعض الباحثين موقف ابن خلدون من الفلسفة بالضرر الكبير الذي تلحقه بالدين، كونها تعتمد في إدراكها للعلم الإلهي على العقل وحده، ولا تعترف في تقرير العقائد الإيمانية إلا على النظر الفكري، والقياس العقلي.
وبناء عليه، ارتكز نقد ابن خلدون للفلسفة على مواطن الخلاف بينها وبين الدين، ولا سيما في مسألتي، العلم الإلهي ووسيلة إدراكه بالعقل المجرد. وهناك من يرى بأن الغيرة على الدين ليست وحدها من دفع ابن خلدون إلى نقد الفلسفة ومحاولة إبطالها،.
بل هناك الجانب «الإيديولوجي» في فكر ابن خلدون، والمتمثل في تأييده لنظرية الدولة الإسلامية في الحكم، وللشريعة الإسلامية في تسيير المجتمع، وانحيازه إلى المذهب المالكي، واعتناقه المذهب الأشعري.
وقد تعددت المواقف من الفلسفة في الإسلام، ولم تبلغ المواقف التي وقفها حملة العلم في الإسلام من الفلسفة، في تعددها وتنوعها، مبلغ المخالفة فقط، بل تعدتها إلى درجة المغايرة.
وهذه المواقف المتخذة حيال الفلسفة في الفكر الإسلامي لم تكن سائرة على وتيرة واحدة من الحدة أو الصرامة في الميدان الفقهي أو الحقل الكلامي أو المجال الفلسفي أو المسرح الصوفي،.
ولم تكن على وزن واحد في القوة والضعف إزاء قبول الفلسفة أو رفضها داخل المجالات الفكرية المتعددة بتعدد أطياف الفكر الإسلامي أو التراث في العصر الكلاسيكي.
لكن المؤلف يرى بأن غاية ابن خلدون من نقده للفلسفة هي إثبات عجز العقل عن بلوغ المعرفة اليقينية البرهانية التي لا شكوك عليها ولا ارتياب في مجال الإلهيات.
وهي نفس الغاية من كتاب تهافت الفلاسفة لأبي حامد الغزالي. وعليه، كان ابن خلدون أقرب ما يكون إلى الغزالي في موقفه من الفلسفة التي نظر إليها بعين الريبة مباشرة ومن دون أن يعتمد التورية والإشارة والإضمار، لكنه بالمقابل، كان أبعد ما يكون عن ابن رشد الذي يقع على طرفي نقيض منه.
فاختلافه مع ابن رشد، وعدم الاتفاق معه حيال الفلسفة كان صريحاً، حيث كان عجز العقل في الإلهيات عند ابن خلدون يشكل القطب والمحور الذي دار عليه نقده للفلسفة، التي دمغها بالهشاشة مباشرة ومن دون أن يلجأ إلى التورية أو الإضمار.
غير أن يميز نقد ابن خلدون للفلسفة عن نظيره لدى الغزالي هو تماسكه وانسجامه وعدم تناقضه، فهو لم يسقط في شرك ما انتقده لدى الفلاسفة.
كما فعل الغزالي الذي رفض بعض أطروحات الفلاسفة، ثم عاد ليتبناها لاحقا من حيث يدري أو لا يدري. الأمر الذي أظهره في صورة رجل ولاج خراج، لا يعطي بيد إلا ليأخذ بيد أخرى.
بمعنى أنه ينتقد الفلاسفة هنا في هذه المسائل قبل أن يتبناها بعينها وبقضها وقضيضها هناك! أضف إلى أن نقد ابن خلدون للفلسفة لم يطل فيه أنفاسه.
ويصنف فيه كتبا خاصة بعينها، كما فعل الغزالي الذي كتب في هذا النقد كتاب «تهافت الفلاسفة»، دون أن ننسى كتاب (مقاصد الفلاسفة) ، الذي يبدو فيه خبيرا بصناعة الفلسفة.
وهناك جانب تعامل برغماتي لابن خلدون مع الفلسفة التي يعترف ببعض فوائدها، ويشترط بعض الاشتراطات قبل الانكباب على دراستها.
أما انفتاح ابن خلدون على التصوف، فيرى المؤلف أن الإبانة عن قسمات موقف ابن خلدون من التصوف، تستدعي النظر إلى ابن خلدون بعيون ابن خلدون نفسه، إذ كانت مواقف الفلاسفة العرب والمسلمين من التصوف متعددة، واعتبر الموقف من التصوف بمثابة موقف من العقل وحدوده المعرفية.
وقد كان ابن خلدون رجل تأليف بين التصوف والفقه، ورجل مصالحة بين التصوف وعلم الكلام، لأن المذهب الأشعري المتأخر، مع الغزالي والإيجي وسواهما، التقى مع التصوف، ومن بين ما التقى فيه معه المشيئة الإلهية.
ويمكن القول بأن نقد ابن خلدون للفلسفة غير نقد الغزالي لها، لأنَّ كلاً منهما له دوافعه الخاصة، ومنهجه المعيّن، وغايته المحددة،.
حيث كان نقد ابن خلدون للفلسفة نابعاً من غيرته على الدين، ومن أجل إيجاد بديل عن الفلسفة التقليدية، يختلف عنها في المنهج، والموضوع، والغاية، وهو علم العُمران البشري، والاجتماع الإنساني.
لكن محاربة الفلسفة، فكرياً وسياسياً، فتحت الباب أمام التصوف، بعد أن أعطى الغزالي الشرعية للتصوف، الذي كان يجد معارضة من المحدّثين، والفقهاء، والمتكلمين، وتأثر ابن خلدون بالمناخ السائد، وأظهر نـزوعه إلى التصوف، وحتى تزكيته للمتصوفة.
الكتاب: ابن خلدون: بين نقد الفلسفة والانفتاح على التصوف
تأليف: محمد أيت حمو
الناشر: دار الطليعة،
بيروت 2010
الصفحات: 167 صفحة
القطع: الكبير
