تتفق آراء العارفين بالشأن البريطاني آن اللورد بيتر ماندلسون هو أحد الساسة الانجليز الأكثر نفوذا في العصر الحديث. من هنا تأتي أهمية مذكراته التي نشرها تحت عنوان «الرجل الثالث».
الكتاب نوع من السيرة الذاتية التي يكشف فيها صاحبها عن الدور الذي لعبه «في الكواليس الخلفية» لحزب العمال البريطاني، ولكن أيضا «تحت الأضواء» من خلال المناصب الوزارية التي شغلها في إطار الحكومات العمّالية لكل من توني بلير وغوردون براون. ومن التوصيفات الشائعة عنه هي أنه كان «رجل الظلمات».
القسم الأكبر من هذا الكتاب مكرس لحديث المؤلف عن طبيعة علاقاته مع رئيسي الوزراء البريطانيين السابقين «العمّاليين» توني بلير وغوردون براون.
من الملاحظ أن المؤلف يتحدث بوضوح كبير عن دهاليز السلطة آنذاك حيث سادت في أحيان كثيرة أجواء «الدسائس» و«المؤامرات». ويشير إلى أنه اضطر للاستقالة من الحكومة مرتين خلال ثلاث سنوات.
تجدر الإشارة إلى أن عنوان «الرجل الثالث» مستلهم من فيلم سينمائي يعود إلى عام 1949 للمخرج «كارول ريد».
ومثل «الرجل الثالث» في الفيلم يشير المؤلف أنه لعب دورا مركزيا في المسار التطوّري الذي عرفه حزب العمال البريطاني وصولا إلى «النسخة الأخيرة» المعروفة بتسمية «حزب العمّال الجديد».
لكنه لا يخفي بالمقابل إحساسه العميق بـ«القلق» عندما انتصر الحزب في الانتخابات التشريعية البريطانية لعام 1997 بقوله:
«أحسست أنني مثقل بالهموم، وكأنني في بحر» ؛ ويضيف أنه لم يستطع منع نفسه من التفكير أنه كان في «منطقة رمادية».
هذه المنطقة الرمادية حكمت إلى حد كبير مسيرته السياسية كلها إذ لم يشأ أبدا أن يصعد هو نفسه إلى القمّة. هذا مع العلم أنه كان «أحد أسياد اللعبة».
ومن اللحظات «الكبرى» في مسيرته يعدّ تلك التي دخل فيها للمرّة الأولى كأحد ممثلي الشعب في مجلس العموم البريطاني عام 1992 حيث أحس بـ»رعشة حقيقية».
ونفس الإحساس عرفه أيضا، كما يقول، عندما تولى وزارة التجارة والصناعة. لكنه يؤكد بأشكال مختلفة أنه «ثمّن» دائما الحياة فيما هو أبعد من السلطة.
هكذا قابل بنوع من «الصفاء» قرار غوردون براون عدم «تكليفه بحقيبة وزارية في حكومته الأولى. ويقوم بيترسون نفسه باستمرار بمثابة أخصائي بالغزل والنسيج انتقل إلى عالم السياسة وليس كرجل سياسة انتقل إلى الاتجاه المعاكس.
ويؤكد في هذا السياق أنه لم يقبل أبدا بـسسراب السلطة» وبلعب دور «رجل القش»، ولذلك لم يتردد في الاستقالة مرتين من الحكومة خلال ثلاث سنوات. ولا يتردد المؤلف في اتهام غوردون براون بالتآمر عليه.
نقرأ: «لقد انتابني إحساس بالنفور العميق من آلية عمل غوردون براون عندما اكتشفت أن الحملة الإعلامية ضدي قد جرى الاتفاق عليها في مكتبه عشية اليوم السابق لها».
وإذا كان هذا الكتاب يكشف الكثير من جوانب شخصية مؤلفه-رجل السياسة، فإنه يؤرخ بالوقت نفسه لفترة حكومتي توني بلير، الأولى والثانية، وحكومة غوردون براون، ومن خلال هذا يتم أيضا التعرض للتاريخ البريطاني بأكمله.
وبالطبع يتم غالبا كتابة هذا التاريخ من خلال دور المؤلف الذي شغل العديد من المناصب «المفصلية» في حزب العمال البريطاني الجديد وفي الحكومات التي قادها قبل وصول رئيس الحكومة الحالي كاميرون إلى السلطة.
ويشرح المؤلف في هذا الكتاب- المذكرات خلفيات النزاع المستمر بين توني بلير وغوردون براون طيلة السنوات العشر التي أمضاها بلير كرئيس للوزراء.
يقول ماندلسون: «لقد كان براون بحاجة لي من أجل مساعدته على القتال»، أي ضد براون.
لكن «بلير» تخلّى عنه، كما يقول، خوفا من براون. ويذكر ماندلسون أنه قال لبلير أثناء حديث هاتفي، بعد تركه الحكومة للمرة الثانية، ما مفاده: «لقد لعبت بي حسب النغمة التي تناسبك».
القسم الأخير من الكتاب مكرّس للحديث عموما عن السنوات الأخيرة للحكومة العمالية في بريطانيا برئاسة غوردون براون.
ويشير المؤلف إلى أنه بعد المسار المضطرب لعلاقاته مع براون منذ الفترة التأسيسية «للنهج الجديد في حزب العمال عرفت علاقتهما «الحرارة» من جديد. «لقد فهم كل منا الآخر من جديد وفي إطار جو من الاحترام».
لكن المؤلف يؤكد المؤلف نفسه أن نقطة خلافهما الكبير في تلك المرحلة «من التفاهم» كانت حول اقتراح براون خطة لإجراء إصلاح «جذري وجريء» اعتبرها ماندلسون ضربا من الجنون.
إن المؤلف يرسم في الكتاب آليات عمل السلطة في بريطانيا أثناء حقبتي توني بلير وغوردون في الحكم بكل ما رافقها من «دسائس» و«فضائح» و«مواقف». ويلقي من خلال هذا كله الضوء على «مفاتيح» الحياة السياسية البريطانية.
الكتاب: الرجل الثالث: العالم في قلب حزب العمال الجديد
تأليف: بيتر ماندلسون
الناشر: هاربر برس ــ لندن
ــ 2010
الصفحات: 512 صفحة
القطع: المتوسط
The third man
Peter Mandelson
Herper Press - London - 2010
p.
