يؤرخ كتاب (ثورة الغضب.. صنع في مصر) لمؤلفه مراد ماهر بلغة أدبية يوميات الأحداث والوقائع التي أدت إلى ثورة 25 يناير .
وأيضاً أيام الثورة؛ يتحدث الكتاب عن الخوف الذي أخذ يتراكم عبر الأجيال حتى انتهى إلى ما انتهى إليه من تجبر وتحكم الحزب الحاكم وأفراد الأمن في مصائر الناس، فمن خلال البنت التي كانت تخشى النور والتي احترفت الحياة في غيابات الظلمة، ويواصل المؤلف: (أنا أخاف) قالها قلمي.
. أخاف صوت القهر ونور الحقيقة والنجاة ورائحة الموت قهراً منزوع الكرامة قبل الحياة.. قيل لي: إنه إرث مصري قديم.
المصريون قبل الثورة، كما يقول المؤلف، كان لهم طعام يعرفون به، تتكون مقاديره من ملعقة بطعم المرار سريع الذوبان في الذاكرة حتى يتسنى النسيان، وملعقة من ماء نهر أو كأنه نهر،.
ونصف ملعقة من مطر ليل شتاء ساحلي قارس ممزوج بنصف ملعقة من عرق صيف صحراء الوطن، وقليل من (عفارة) النظرات المصوبة تجاه ألم الحقيقة والواقع يستخلص من بؤس المشهد .
وإن كان من ذكرى، كل هذا يضاف إلى ربع ملعقة من دموعٍ انسابت على قلب أمٍ بكت فرحة باستشهاد وحيدها.. إنه أطهر أنواع الدموع، كان هذا طعام المصريين طوال ثلاثين عاماً من حكم الرئيس السابق مبارك.
خطبة جمعة الغضب فصل جديد يتحدث عن الذين منعوا لأكثر من ثلاثين عاماً من اعتلاء منابر الناس،.
وبعد اعتلاء الخطيب المنبر احتضن القبلة دامعاً، واستقبل وجوه الشباب المتحفزة باسماً، ومن دون اتباع لأصوليات شعائر الخطبة باغتهم أوصيكم ونفسي بما تبقى لنا من حياة دعونا نرويها علها تنبت لنا بقيتها،.
وبعد انتهاء الخطبة تتم إقامة الصلاة لينادي المنادي في الأذان (حي على الخلاص.. حي على الخلاص) فكانت صلاتهم يومها مضمنة في طقوس ثورتهم.
كانت الفرحة في ميدان مطبوع بين طيات اسمه لون من أطياف الحرية كما يقول المؤلف، ورسم من دون احترافية خَطَّه عجوز على أسفلت أرض الميدان مستخدماً طبشوره الأبيض.
فاللوحة البيضاء على أرض الميدان تحوي وجهاً لعجوز مكتوب أعلاها بذات اللون (يسقط الطاغية)، ورصاصات متعددة المنشأ والمصب تخترق الأمان وتزرع كراهية وقتية تجاه الوطن الغائب عن الميدان، وقنابل تسيل الدموع، وامرأة في أربعينها تحتضن صغيرها بين شفتيها، وشباب بلون الورد أو أزهى،.
ورؤوس تتآزر بتنظيم العشوائية وعشوائية التنظيم تحلق في جوف السماء مغردة تراتيل الخلاص باحثة عن جسد للوطن حجبه ضباب الظلم عن وعيهم منذ بدء الوعي أو أكثر، ويوم من أيام الله إن شئت أطلق عليه الخامس أو الثامن والعشرين من الشهر الأول للعام،.
وإن شئت أطلق عليه جمعة الغضب. ولكن رغم هذا الانتصار الكاسح للشعب كما يقول المؤلف كان لابد أن تتم خيانة عشرات الآلاف في ميدان عبدالمنعم رياض ومثلهم في شارع وميدان رمسيس ومثلهم في ميدان طلعت حرب وأكثر في مدينة نصر ومصر الجديدة وآخرين على امتداد النيل.
ومئات الآلاف في محافظات السويس، والإسكندرية، والغربية، والإسماعيلية، وبورسعيد، والدقهلية، والجيزة، وغيرهـــا،.
والخيانــة تمثلت في طمس مظاهر الحرية والآدمية والاحتماء بقانون الطوارئ والعبث بحرمة الدستور ونشر الفوضى وتعريض البلاد للسلب والنهب والفتنة والانهيار، أما المتهمون فهم نظام طال حتى تجبر ولم يهتم سوى بالجغرافيا لتزداد رقعة سطوه.
وعندما التفت إلى التاريخ لم يقرأ سوى خصال الفراعنة، وبرغم حجم الخيانة وكثرة أعداد الخونة فإن الشعب انتصر.. انتصر الشباب وخرجوا ببيانهم الذي قالوا فيه:
يا مصر صنعنا من ميدانك كتاباً للتاريخ يحوي في كل موطئ قدم حكاية وفي كل شبر بطولة ومع كل نسمة هواء هتافاً للعزة.. صنعنا من ميدانك شاشة تلفاز بحجم السماء تعرض للدنيا كيف صنع المصريون مصرهم الجديدة..
صنعنا من ميدانك مسجداً وكنيسة يتعبد فيهما الهلال جنبا إلى جنب بجوار الصليب بتراتيل لا تحوي حروفاً سوى تلك التي تشكل بها اسمك.. يا مصر خرجنا من صمتنــا لنلقاك.. آن الأوان لأن يكون لنا وطن.. وآن الأوان لنكون لك أملا.. عاشت مصر حرة.
الكتاب: ثورة الغضب..
صنع في مصر
تأليف: مراد ماهر
الناشر: دار الكتب للنشر
والتوزيع
الطبعة الأولى: 2011
الصفحات: 124
القطع: المتوسط
