في هذا الكتاب (ما بعد الحداثة والسينما) بداية يعرّف لنا الكاتب «د. علاء عبدالعزيز السيد «مصطلح» ما بعد الحداثة» بأنه أحد أهم الإشكاليات البحثية في الدراسات النقدية والفلسفية والفنية خلال الثُلث الأخير من القرن العشرين.

وقد أثرت ظاهرة «ما بعد الحداثة» تأثيراً مهماً في مختلف الدراسات المتنوّعة على مستوى العالم في أواخر القرن العشرين، وطال تأثيرها كل المجالات بما فيها الفنون ومن هذه الفنون السينما.

لقد اعتمدت السينما في وجودها الفاعل على استيعاب فكرة العالم الافتراضي الفيلمي من قبل المتلقي من أجل وجود بنية ثقافية واضحة المعالم بين صانعي الأفلام وبين الجمهور.

ولا يمكن التعامل مع البناء الفيلمي ما بعد الحداثي دونما تناول الواقع الافتراضي الذي أمسى إحدى السمات العامة المسيطرة على الواقع المنشئ له.

في مجال السينما نجد أنّ الوضع التأريخي لتجلّي ظاهرة «ما بعد الحداثة» يتسم بالإبهام والغموض وعدم الوضوح، وتتمثل في إنتاج المخرج (جان لوك جودار) ذات الطابع البرختي وتستند في بنائها على الدراما الملحميّة ذات الطابع التقريبي/التبعيدي.

حيث استخدام «جودار» أسلوب القطع الحاد فيما بين اللقطات، ممّا أوجد قفزات بين اللقطات والأحداث المعروضة على الشاشة، فهو يقطع اللقطات ويلصقها ويعيد قطعها ولصقها، ويضع يده على حركات ونظرات ومواقف، كل هذا وفقاً لملاحظاته التي لا تتوقف.

وتنطلق جمل المونولوج أو الحوار واحدة بعد الأخرى للعلاقة بينها، بحيث تكون غير مفهومة، ولكنها تنسجم انسجاماً تاماً مع أجواء الصور الموضوعة بإهمال على الشاشة.

بعد مرحلة الحرب العالمية الثانية، هي المفصلة الزمنية الأساسية في تجلي الإرهاصات الأولى «ما بعد الحداثة» لدى بعض المفكرين والفنانين، لذا قاموا بربط التغيرات السياسية والاقتصادية والإعلامية التي نجمت عن مرحلة ما بعد الحرب الثانية بالعديد من التحولات والتغيرات الفنية التي أتت بعدها.

إنّ جنينية هذه الفكرة تقع أبعد من هذا التاريخ، إنها كما يقول «أموس فوجل» يبدأ الهدم في السينما عندما تغمر العتمة صالة السينما وينبجس الضوء من سطح الشاشة، إنها نقطة انطلاق في مسيرة التدمير الطويلة والشاقة.

حيث تصبح السينما هنا ميدان سحر تتحد فيه العوامل السيكولوجية والبيئية لخلق أفق مفتوح أمام الدهشة والإيحاء، لتحرير الفعل الباطن، إنها الموضع المقدس حيث الطقوس العصرية المتأصلة داخل ذاكرة تمتد جذورها إلى ماضٍ سحيق ورغبات كامنة تحت نطاق الوعي، تمارس في الظلام وبمعزل عن العالم الخارجي.

إذا كان السرد Narative يعرّف بأنه: «الحديث، أو الأخبار لواحد أو أكثر من واقعة حقيقية أو خيالية، من قبل واحد أو اثنين أو أكثر من الساردين، وذلك لواحد أو اثنين من المسرود لهم» فإننا نجد أن أفلام «ما بعد الحداثة» لم تغيّر شيئاً من هذا التعريف.

وعندما اعتمدت الحبكة «ما بعد الحداثية» على تقديم المزيد من التعقيد والغموض في سير الأحداث، فإنها بذلك لم تخرق التعريف التقليدي والمتعارف عليه للحبكة ذٌُُّ بأي وسيلة من الوسائل، بل إنها التزمت بنصه.

وعلى هذا النحو نجد أن «ما بعد الحداثة» لم تدمر أيّا من تعريفي السرد أو الحبكة، ولكنها سعت لإيجاد معادل بصري ودرامي يتناسب ويعبر عن حالة هذا العالم الذي يعيشه البشر والذي يريد صانعو الأفلام التعبير عنه.

الكتاب: ما بعد الحداثة والسينما

تأليف: علاء عبدالعزيز السيد

الناشر: وزارة الثقافة ــ المؤسسة العامة للسينما ــ دمشق

‬2010 الصفحات: ‬576

القطع: المتوسط