يحاول هذا الكتاب « عناصر التقليد الشفوي في الشعر الجاهلي »، للكاتب د. سليمان الطعان الإفادة من النظرية الشفوية بتطبيقها على الشعر الجاهلي.
فالشفوية مصطلح يدلّ على أن مجتمعاً ما لا يستخدم الكتابة في عملية التواصل بين أفراده، ولا يستخدمها لتدوين آثاره الفكرية المختلفة.
وترتبط المعرفة في الثقافة الشفوية بالقدرة على الحفظ، في ظل غياب نصوص مدوّنة يمكن العودة إليها،.
وكي يستعيد الراوي قصيدة سمعها فإنّ عليه أن يستعين بوسائل أخرى، تتمثل في الإنشاء ضمن أنماط حافزة على التذكر، صيغت بصورة قابلة للتكرار الشفهي.
وكانت مقدرة الحفظ لدى بعض الأفراد كالعرافين والكهنة والرواة والحكماء سبباً لتميزهم عن بقية أفراد المجتمع، ممّا جعل لهم مكانة مرموقة، ويميل الكلام الشفهي إلى أن يكون إيقاعياً، لأن الإيقاع يساعد على التذكر.
وهنا تقوم الصيغ بدور العوامل المساعدة على نظم الحديث الإيقاعي. فالشعر الشفوي يتحرك إلى الأمام ببطء شديد، قريباً من بؤرة الانتباه، ومحتفظاً بالكثير مما قد تناوله من قبل.
يطلق عليه عادة « الأدب العربي القديم »، حيث تكشف طريقة الإبداع الشفوي سرّ الوحدة الفنية في هذا الشعر.
وسبب اختلاف الأسلوب بينه وبين الشعر العباسي الذي سادت فيه طريقة الكتابة الإبداعية.
من المفترض أن الشعر الجاهلي كان شعراً شفوياً، وهو ينظم على طريق التنويع في الصيغ والتراكيب التي لا يستطيع الشاعر إنشاد شعره إلا من خلالها، ويقود استخدام الصيغ ذاتها إلى التشابه الفني بين الشعراء،.
وتظهر مهارة الشاعر الجاهلي في تركيب الصيغ، كي يبرز فرديته وفردية الحالة الشعرية التي يريد التعبير عنها.
ويرى الكاتب أنّ كثرة المترادفات تعود إلى محليّة « Peculiar » ذلك الشعر، تلك المحلية التي تجعله وثيق الصلة بالممارسات الحياتية، ومعلوم أن اللغة انعكاس للواقع المعيش،.
لذا تكثر الكلمات الدّالة على « الناقة » في اللغة العربية، والكلمات الدالة على « الثلج» لدى الأسكيمو. ثم ينتقل إلى دراسة التكرار في الشعر الجاهلي، فوجده في تكرار الكلمة،.
وتكرار الجذر، وتكرار البداية والمعارضة، وبيّن أثر التكرار في حفظ هذا الشعر لأنه لا توجد علامات دالة واضحة في النصّ الشعري، ممّا يساعد الرواة على حفظ الأبيات.
من أهمّ سمات الخطاب الشفوي أن المتكلم لا يخضع فيه للقواعد النحوية بشكل كامل، حيث يرد البيت مؤيّداً القاعدة .
وشاهداً على صحتها، ولكنه يأتي في موضع ثانٍ مخالفاً القاعدة، بيد أنّ خروج الشاعر الجاهلي على القواعد النحوية أحياناً لا يعني إهماله إيقاع الشعر، فقد بقي الصوت العنصر البارز في القصيدة.
ويوضح هذا الاهتمام الإيقاع المتناسق الموجود في سجع الكهان، وفي الخطب الطويلة التي تعتمد على الطباق الواحد في آخر كل مجموعة جمل.
ذلك الطباق الذي يجعلها أكثر قابلية للحفظ والرواية، ممّا لو كانت غير متجانسة، ولا تعتمد على الموسيقا اللفظية، كما في خطبة قسّ بن ساعدة.
يعتمد الأدب الشفهي ظاهرة التكرار، ويرى بعض الباحثين أنّ آثاراً سحرية وظواهر طقسية قادت إلى التكرار، بيد أن هذا لا ينفي التفسيرات الأخرى التي تعود إلى أساس اجتماعي أو وجودي أو جمالي،.
فيكرر الشاعر الكلمة واسم المحبوبة واسم الشخص والقبيلة والجذر ويكرر البداية.
ويبدو أن هذا التكرار بهذه الطريقة مرتبط بطفولة الشعر الأولى، وإلى عوامل النظم الشفوي التي تؤثر فيه، وتردّد فيه مجموعات لفظية معينة، أو قوالب صيغية محدّدة .
إنّ الموسيقى هي جوهر الغناء، ولمّا كانت الموسيقى تقوم على الإيقاع فإنّ هذا يسهل فهم الارتباط كإيقاع خاص، قبل أن تتخذ شكلاً لغوياً، بل ربمّا قام الإيقاع بتوليد فكرة.
فقد تطوّرت أوزان الشعر العربي القديم عن الغناء الموغل في تاريخ مجهول، واستطاعت القافية الموحّدة والأوزان الشعرية متساوية الإيقاع، أنّ تحفظ الشعر الجاهلي الذي صيغ على هذه الأوزان من الضياع.
ذلك أنّ الطبيعة التجميعية للشعر ساعدت الرواة على تذكر القصائد والمقطوعات الشعرية.
كذلك نجد الشعر الشفهي فقد ارتبط بالطقوس الدينية والسحر وبعمليات العبادة مهما يكن شكلها وطريقتها، لأن الأنغام تأتي في مقدمة الشعائر لكونها توقظ الحسّ وتولد الانفعال.
إنّ نشأة الشعر ترتبط بالغناء، كالقافية تقوم بدور يشبه دور اللأزمة في الغناء، ويقيم الوزن محوراً عمودياً في كل بيت،.
وشكلت ظاهرة البطولة مستودعاً لكل القيم التي آمن بها الجاهلي كـ (الكرم والشجاعة والمروءة) ووسيلة خلّد بها المجتمع شخوصه بإضفاء علامات دالة على حيواتهم،.
كما أوجد تشابهاً بين طرق ولادتهم وموتهم، وجعل لهم معشوقات وحبيبات، ورفعهم إلى مستوى المقدس الذي لا يجوز المساس به.
الكتاب: عناصر التقليد الشفوي في الشعر الجاهلي
تأليف: د. سليمان الطعان
الناشر: وزارة الثقافة ؟ الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 9002
الصفحات 304 صفحات
القطع : المتوسط
