أولى الأستاذ الجامعي البريطاني جون فيسك اهتماما كبيرا للدراسات الثقافية عامة وللثقافة الشعبية والجماهيرية بشكل خاص.

وهو يكرّس كتابا لما يسميه «فهم الثقافة الشعبية» الذي يمثل نسخة جديدة لنسخة صدرت قبل سنوات.

وقام المؤلف بإعادة النظر فيها بشكل كامل على ضوء المستجدات ليكون هذا العمل الجديد.

يحدد المؤلف القول في مقدمته لتعريف الثقافة الشعبية بالقول: «تتم صياغة الثقافة الشعبية من قبل الشعب عبر التفاعل بين منتجات الصناعات الثقافية والحياة اليومية. الثقافة الشعبية يصنعها الشعب .

ولا يتم إملاؤها عليه وهي تصاغ من الأسفل وليس من الأعلى. والثقافة الشعبية هي فن الفعل بواسطة ما تقدمه المنظومة القائمة».

يحاول المؤلف البرهنة أن البشر ليسوا مجرّد «ضحايا» سلبيين حيال ما يتم فرضه عليهم، بل هم «مستهلكون نشيطون» لا يتوقفون عن «مقاومة» النصوص والتوجهات التي تحاول القوى المسيطرة في المجتمع فرضها.

إن أول أشكال «المقاومة» التي يمارسها الشعب يحددها المؤلف بإعطاء «دلالات جديدة» لما يُراد فرضه. ويتم دائما في إطار «المقاومة» التأكيد على «المعاني البديلة» ذات الطبيعة التحررية.

هذا تحديدا باتجاه خدمة مصالح «الشرائح الشعبية وليس خدمة مصالح النخب. وبهذا المعنى تغدو الثقافة الشعبية وسيلة لتعبير الشعب عن نفسه وليس «توكيل النخب للتفكير بدلا عنه».

ثم إن الشعب يملك عامة «قدرة إبداعية هائلة»، كما يؤكّد المؤلف. وهو يستخدم هذه «القدرة الإبداعية» في إعطاء دلالات مختلفة لـ«ثقافة النخب» ذاتها.

وأمام واقع أن الثقافات السائدة تميل دائما إلى فرض معايير، أو عادات أو محظورات أو قوانين من أجل التحكم بالطريقة التي ينبغي على الجميع التصرّف حسبها بمختلف ميادين ومشارب الحياة.

هذا وصولا إلى تحديد ما يمكن وما لا يمكن، للبشر فعله بما يتعلق بجسدهم نفسه.

الثقافة الشعبية تحاول «تجنب» الكثير من القواعد المفروضة عبر ما يسميه المؤلف بـ«الهرب» إلى محاولة التأقلم مع قوانين العيش الخاصة.

المثال الذي يقدمه المؤلف هو مستخدمو الانترنت ــ الانترنوت ــ الذين «يهربون»،برأيه، من أنماط عمل منظمة في أطر محددة بعيدا عن الثقافة السائدة، بل وحيث يمكن اعتبارهم بمثابة تهديد لهذه الثقافة السائدة.

تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن «الهرب» من الثقافة السائدة، المفروضة من أعلى، يأخذ أحيانا أشكالا متطرفة كاللجوء إلى الممنوعات بحثا عن المتعة باسم «الحريّة» والتخلّص من «قواعد النخبة».

بكل الحالات يؤكّد المؤلف على وجود فرق أساسي بين «مقاومة» الثقافة السائدة وبين «الهرب» منها.

ذلك أن المقاومة تفترض عامة «إبداع» طريقة أخرى في التفكير بالعالم بينما أن «الهرب» هو هدف بحد ذاته ولا يعبر سوى عن مجوعات «هامشية».

بالمقابل يؤكد المؤلف أن الثقافة الشعبية تمثّل نمطا من الثقافة التي تكمن صفتها الرئيسية بأنها نتاج جماهيري وتحظى بقبول عدد كبير من أبناء المجتمع بمواجهة «ثقافة النخب» أو «الثقافة الطليعية».

تتم الإشارة هنا إلى أنه رغم كل ما يقال وما يُكتب عن الثقافة الشعبية، فإنه ليس هناك أي تعريف «يتفق عليه الجميع» بصددها.

الأمر الذي يقبله الكلّ هو القول، ولو بطريقة غير مباشرة، أنها تتحدد بـ«معارضتها» للثقافات الأخرى، وخاصة بالمعارضة مع ثقافة النخب.

ومن السمات الأساسية التي يتم القبول بها عامة أيضا هي أنها مفهومة من الجميع دون امتلاك معارف ثقافية معمّقة بالضرورة.

أما مرجعيات هذه الثقافة «الشعبية» فهي صريحة إلى هذه الدرجة أو تلك مثل بعض المسلسلات والبرامج التلفزيونية ذات النجاح الجماهيري الكبير.

وفي إطار الحديث عن تاريخية الثقافة الشعبية في البلدان الغربية عامة يشير المؤلف إلى نوع من الخلط.

بينها وبين مفهوم «الفولكلور» الذي ساد في توصيف التقاليد الريفية، الذي يحمل في طيّاته نوعا من «تقليل القيمة»، هذا إذا لم يكن من «الازدراء».

لكن مع وصول عصر الثورة الصناعية تولدت «ثقافة عمالية» تؤكد على التضامن. وتطوّرت الممارسات النقابية في مواجهة «التقاليد القديمة». كما كانت فترة التصنيع النقابية في مواجهة «التقاليد القديمة».

كذلك مناسبة لـ«التمازج» الثقافي بحكم الحاجة إلى اليد العاملة «الأجنبية». ثم عرفت الثقافة الشعبية «تطورا» كبيرا في القرنين التاسع عشر والعشرين مع ازدهار الصحافة المكتوبة والتسجيل الصوتي واختراع السينما والإذاعة.

وتتوّج ذلك الازدهار باختراع التلفزة.

الكتاب: فهم الثقافة الشعبية

تأليف: جون فيسك

الناشر: روتلدج لندن ‬2010

الصفحات: ‬232 صفحة

القطع: المتوسط

Understanding popular culture

John Fiske

Routledge - London- 2010

232p.