الاعتداءات والاغتيالات السياسية تعرفها جميع الشعوب والمجتمعات منذ القديم حتى اليوم. والأستاذة في جامعة باريس السابعة، كارين سالومي، تقدم كتاباً عن «الاعتداءات السياسية في فرنسا خلال القرن التاسع عشر» تحت عنوان «الزوبعة القاتلة».
إن المؤلفة، المختصة بتاريخ القرن التاسع الفرنسي، تعود بقارئها إلى مساء يوم 24 ديسمبر من عام 1800، أي قبل أسبوع تماماً من بداية القرن التاسع عشر.
والمكان هو شارع «سان نيكير» القريب من حدائق التويلري الملاصقة لمتحف اللوفر اليوم.
لم ينتبه أحد في ذلك اليوم إلى تلك العربة التي كانت تقف في الشارع وعليها برميل من البارود. كانت مهمتها هي: القتل. وبالتحديد قتل نابليون بونابرت.
كانت تلك بداية سلسلة طويلة من عمليات الاعتداءات والاغتيالات السياسية في فرنسا، عمليات جرى فيها استخدام الخناجر والمسدسات والبنادق والعبوات المتفجّرة والقنابل.
واستهدفت رؤساء الدول ومؤسسات السلطة، مثل قصر الجمعية الوطنية الفرنسية «البرلمان»، ومقرّات الشركات الصناعية وحتى منازل رجال القضاء والقانون أو حتى المقاهي والمطاعم.
تلك العمليات كان وراءها، أو جرى تحميل مسؤوليتها، لمجموعات أو لأفراد متزمتين، هدفوا جميعهم إلى الإخلال بالاستقرار العام وكانوا جميعهم أيضاً مدفوعين بإرادة التخريب.
لكن المؤلف يرى أن هناك ما يدعو للتساؤل حول «الغاية» الفعلية من تلك العمليات. هل المقصود هو استهداف أفراد بعينهم؟
وهل يمكن الحديث عن إرهاب فيما يخص هذا النوع من العنف السياسي؟
إن المؤلفة تعود إلى دراسة الظروف التي سبقت ورافقت العمليات الكبرى التي عرفها القرن التاسع عشر في فرنسا.
وابتداءً من تلك التي استهدفت نابليون بونابرت قبل أيام من نهاية القرن الثامن عشر وحتى اغتيال الرئيس الفرنسي سادي كارنو .
وفي العملية الأولى التي استهدفت نابليون تشير إلى أنه قد حالفه حظ كبير حيث انفجر برميل البارود متأخراً لــ «عدة ثوانٍ» بعد مرور نابليون.
لم تكن هي المحاولة الأولى التي استهدفته محاولة اغتيال في ذلك الخريف. إذ كان أربعة أشخاص حاولوا طعنه بالخناجر في دار الأوبرا في أكتوبر من تلك السنة.
وكان قد جرى إفشال محاولة اغتيال أخرى له في اللحظة الأخرى بالقرب من باريس في شهر نوفمبر التالي.
وإذا كانت عملية شارع «سان نيكير» هي التي حظيت بأكبر قدر من «الشهرة» فهذا يعود، كما تشرح المؤلفة، إلى أنها شكّلت «تجديداً» في طريقة التنفيذ. إذ لم يكن قد سبق أن انفجرت قنبلة في باريس وأخطأت هدفها.
لكنها قتلت وجرحت العشرات من المدنيين الأبرياء. وتنقل المؤلفة عن صحيفة «لاغازيت دو فرانس» وصفها العملية آنذاك بالقول: «إنها جريمة لا سابق لها في التاريخ».
وتؤكد المؤلفة القول ان كون المدنيين قد أصبحوا بتلك العملية في دائرة عمليات الاغتيال شكّل «نقلة في تقنيات الحرب» آنذاك.
لكن تلك «التقنية الجديدة» لا تعني أن التقنيات القديمة كانت قد انتهت وهذا ما تدل عليه المؤلفة بعملية اغتيال رئيس الجمهورية الفرنسي سادي كارنو عام 1894.
وكان اغتياله على يد «فوضوي» إيطالي اسمه «كازيريو» بواسطة خنجر طعنه به عدة طعنات قاتلة. تتم الإشارة هنا من جديد أن استخدام «المتفجرات» أصبح إحدى وسائل الاغتيال «الدارجة».
كما تشير بوضوح عملية «الجرد» التي قامت بها المؤلفة لعمليات الاعتداء والاغتيال خلال القرن التاسع عشر.وتحدد المؤلفة عدة «مشارب» في طبيعة تطور تلك العمليات.
فعلى صعيد الأهداف، ففي بداية القرن أصبح المعارضون السياسيون يستهدفون شخص الملك أو أسرته المقرّبة بينما كان «الفوضويون» في العقود الأخيرة من القرن السابق، الثامن عشر، يستهدفون عامة ممثلي النظام ورموزه.
وتناقش المؤلفة الكيفية التي ردّت فيها السلطات على عمليات الاعتداء والاغتيالات. وترى أنه في كل مرة كان يتم وصف المعتدين من قبل السلطات أنهم «مجانين» و«متزمتين». هذا بقصد إبعاد أي لون سياسي عن العمل الذي قاموا به.
لكن بالمقابل كان الرد «سياسياً دائماً» حيث كان يتم استغلال حالة الانفعال السائدة من أجل سنّ قوانين «تكبت الحريات أكثر».
هذا كما حدث عام 1858 عندما حاول المدعو «اورسيني» قتل نابليون الثالث، أو بعد «الوباء الإرهابي» الذي ضرب فرنسا في سنوات التسعينات من القرن الثالث عشر، كما تنقل المؤلفة عن المؤرخ جان ميترون .
الكتاب: الزوبعة القاتلة الاعتداءات السياسية في فرنسا خلال القرن التاسع عشر
تأليف: كارين سالومي
الناشر: شامب فالون باريس 2011
الصفحات: 320 صفحة
القطع : المتوسط
L'ouragan homicide
Karine Salomé
Saint Simon - Paris 2011
320p.
