«سادة الفكر» هذا هو عنوان الكتاب الذي يقدمه الصحافي والفيلسوف الفرنسي «روجيه بول دروا» عن «‬20 فيلسوف ومفكر صنعوا القرن العشرين»، كمل يقول العنوان الفرعي للكتاب.

إن المؤلف يقوم برسم المسار الفكري والشخصي لهؤلاء الذين يعتبرهم منارات الفكر في القرن الماضي. إنهم ساهموا كما يصفهم في المقدمة بإلقاء الضوء على المشاكل الجوهرية لعصرهم وساهموا بفعالية في نقاشات القرن. هكذا يبدو بعضهم بمثابة «أسياد الحقيقة» ويبدو آخرون كـ «سادة الفضيلة التاريخية»، والبعض لم يكونوا أقل من «سادة فن العيش».

ونفهم عن الفيلسوف «ايمانويل لوفيناس» أنه من مواليد ليتوانيا وتوفي في باريس عام ‬1995. وينقل المؤلف بداية عنه كتابته في عمله الشهير الذي يحمل عنوان «الحريّة الصعبة» ما مفاده عن حياته: «إنها مسكونة بالحقد وبذكريات الرعب النازي». ويضيف أنه يمكن قول الشيء نفسه عن «فكره». ويشير المؤلف: «لم يكن هدفه المركزي هو فهم كيف أمكن التوصل إلى سلوك النازية، ولا توضيح السمات التي تتفرّد بها هذه البربرية الجديدة، لكنه هدفه بالأحرى هو تثبيت البعد الإنساني لدى البشر وإعادة التأمّل بالمنظومة الأخلاقية».

أما سيغموند فرويد، فيؤكد المؤلف لديه على مقولة «إذا لم تكن هناك إمكانية للرؤية الواضحة المطلقة، فإننا نريد على الأقل أن نرى بوضوح في الظلمات». كما يؤكد القول أنه رغم ما وجهه فرويد من انتقادات صريحة أو ضمنية للفلسفة فإنه «يستحق بشكل مشروع مكانه بين الفلاسفة الذين صاغوا الفكر في القرن العشرين». ذلك أنه رغم نقده للفلاسفة، «قرأهم» بعناية و«استلهم» منهم. ثم يرى أنه بفضل «فرويد» أصبحت «انفعالاتنا» قادرة على أن تفعل «دون وعي منّا». وهذا ما يعتبره المؤلف «ثورة في طريقة تصوّر الوعي، وفي الفكر نفسه».

و«مارتن هايدغر»، الفيلسوف الألماني، هو أحد الذين يرى بهم المؤلف «أسياد الفكر» في القرن العشرين. هذا خاصة في طرحه لسؤال جوهري قديم، جرى نسيانه منذ زمن طويل، ويتعلق بـ «معنى الوجود»، الذي كان قد طرحه مفكرو اليونان القدامى. ومن خلال طرح هذا السؤال سعى «هايدغر»، كما تقول التحليلات المقدّمة، إلى «تجاوز المآزق التي يطرحها الزمن الذي نعيش فيه».

وتحظى الفيلسوفة «حنّه ارنت» بمكان لها بين «سادة الفكر» في القرن الماضي. أما ميزتها الأساسية فيحددها المؤلف في القول أنها «لم تتوقف أبدا عن إرادة الفهم». ثم إنها جمعت دائما بين القول والفعل حيث كانت تعتبر أن «الكلمات الصائبة التي يتم قولها في اللحظة المناسبة هي أفعال وليست مجرّد ألفاظ». هكذا دفعتها قناعاتها للهجرة أولا من ألمانيا إلى فرنسا عام ‬1933 لتصبح «مواطنة أميركية» عام ‬1951 وتنشر بعد عدة سنوات، وتحديبدا في عام ‬1957 ، كتابها الشهير: «أصول الشمولية-التوتاليتارية» بثلاث مجلّدات.

وفي الصفحات المكرّسة لـ «ألبير كامو» فيلسوف «العبث» الشهير، يرى المؤلف أنه «عبر قراءة كامو يفهم المرء بشكل أفضل الأسباب التي تدفع نحو قيام تمردات جديدة بمواجهة أشكال عبث جديدة. ويتساءل لماذا لا تنفجر اليوم تمرّدات أكثر قوة من أي يوم مضى؟ ذلك بتعاظم أشكال عدم المساواة وبتكثيف كل أشكال الرقابات وشيوع السخافات التي يطلقون عليها صفة ثقافة، وانتشار اللامبالاة المعممة. هذه الأمور كلها تتغلغل أكثر فأكثر في جميع زوايا العالم الذي نعيش فيه». وينقل المؤلف عن فيلسوف العبث «كامو» قوله: «أنا لست فيلسوفا (...). ما يهمّني، هو معرفة، كيف أحكم تصرّفي».

ويرى المؤلف في الفيلسوف «جان بول سارتر» أحد «أسياد الفكر المعاصرين». أما «امتيازه» فيحدده بكون أنه «لا يعطي تعليمات ولا نصائح». ولا يريد أن يحدد «كيف ينبغي أن نفكر» و«لا كيف ينبغي أن نتصرّف». بل «إننا نقرر وحدنا ولا عذر لنا فيما نقرره». ويشير المؤلف أن سارتر سعى باستمرار إلى أن «يحتكم كل إنسان إلى ضميره». وأن إجابته الوحيدة، إلى كل من يطلب مشورته مهما كانت المسألة المطروحة عليه هي: «أنت صاحب القرار ووحدك المسؤول عن الإجابة المقدمة». المهم عند سارتر هي «الحرية». يقول المؤلف: «هذه الحرية الكاملة تترتب عليها مسؤولية كاملة أيضا. ولا يمكن للإنسان أن يختبئ وراء أي شيء».

ومن «سادة الفكر» في القرن العشرين يقدّم المؤلف ميشيل فوكو. ويرى أن هذا الفيلسوف كان «يسابق» الموت في سنواته الأخيرة. وينقل عنه قوله في محاضرة له عام ‬1984، عام وفاته، ما مفاده: «كنت مريضا، مريضا جدا». ثم أنهى سلسلة محاضراته في «الكوليج دوفرانس» بجملة: «إن الوقت غدا متأخر جدا». لقد توفي فوكو بعد ذلك بأسابيع قليلة. ربما أنه أراد لمحاضراته الأخيرة أن تكون بمثابة «وصيّة»، كما يقول المؤلف.