تسود اليوم في الغرب فكرة مفادها أن الذهنية السائدة في مختلف المؤسسات والشركات الاقتصادية لا ترى سوى شيئ واحد هو «الربح». مثل هذه الذهنية هي التي يتعرّض لها الباحث الفرنسي المختص بمجال عمل المؤسسات والشركات، فرانسوا دوبي، في كتابه الذي يحمل عنوان: «ضائع من التسيير الإداري».
ما يؤكده المؤلف على مدى صفحات هذا الكتاب الذي يعالج فيه عددا من الحالات المحددة لعشرين مؤسسة وشركة فرنسية وأوروبية هو أن الغالبية العظمى منها محكومة بما يسميه المؤلف بـ «دكتاتورية الربح» والمستعدة باستمرار لـ «سحق الفرد» من أجل تحقيق غاياتها. بهذا المعنى تصبح المؤسسات والشركات «مكانا لممارسة السلطة». ويؤكد المؤلف من خلال تجربته الشخصية ومئات المقابلات التي أجراها مع العاملين والمسؤولين في الشركات التي زارها أن الميل السائد في كل مكان تقريبا هو أن المسؤولين يريدون أن يفرضوا على العاملين العديد من أنماط الرقابة باتجاهات «متناقضة» وبالتالي هي «غير قابلة للتطبيق» و«تفتقر إلى الفعالية».
ويؤكد المؤلف على أن مثل هذا الميل يمثل عاملا سلبيا. خاصة في «النسخة» التي تقول بفرض «أدق التفاصيل» التي ينبغي على العاملين فيها «إنجاز عملهم». هذا مثلا يتم أحيانا فرض «الكلمات» و«التعابير» التي ينبغي على العاملين في مجال تلقي الاتصالات الهاتفية استخدامها مع الآخرين. ومثل هذه السلوكية يرى فيها المؤلف «مصدر إحساس بالقلق» لدى العاملين. كما أن الإطارات «الكوادر» تخضع باستمرار لطقوس «التقييم» بناء على «مؤشرات كمال العمل». مثل هذا «التقييم» يأخذ معظم اهتمام المسؤولين، الأمر الذي يصرفهم عن صياغة «إستراتيجيات العمل» في مؤسساتهم.
ويضرب المؤلف مثالا على ذلك في «رئيس مدير عام» شركة تنتج الآلات الكهربائية المنزلية تحت «ماركات» مختلفة. وقد أولى اهتمامه لمعرفة مبيعات كل «ماركة» أسبوعيا في مختلف بلدان العالم. هكذا وجد نفسه في المحصلة لا يفعل سوى «قراءة المؤشرات».
النتيجة التي يصل إليها المؤلف من تحليل هذا الواقع تكمن في القول أن «القيادة المسؤولة عن تسيير العمل لا تعرف ؟ ولا تريد غالبا أن تعرف- كيف تجري أمور العمل حقيقة في مؤسساتها». ويكتب المؤلف بخصوص المدراء ومسؤولي الإدارة: «يبدؤون عملهم في الصباح ثم يتجولون، إنهم يشربون القهوة ويحلّون أحجية الكلمات المتقاطعة. ومسؤول الموظفين والعاملين (...) يغيب كما يشاء، كما تدل التجربة في مختلف الورشات». وفي فصل يحمل عنوان: «تركنا العمل يهرب» يعالج المؤلف مسألة «تدنّي مردودية العمل»، كي يعالج في الفصل التالي «تركنا الزبون يهرب» النتائج المترتبة على ذلك التدني. ولا يتردد المؤلف في اعتبار «تدنّي العمل» و«هرب الزبائن» سببين مباشرين لارتفاع مستوى البطالة التي تعاني منها الأغلبية الساحقة من البلدان الغربية. ذلك على أساس أن الحقبة الراهنة تسود فيها مقولة «انتصار الزبون».
لكن «ما العمل»؟
إن هذا السؤال يمثل المحور الرئيسي الثاني في هذا الكتاب. ويشرح المؤلف أنه أثناء الفترة المعروفة في فرنسا بـ «الثلاثينات المجيدة»، أي العقود الثلاثة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حتى منتصف سنوات السبعينات في القرن الماضي «العشرين»، كانت الشركات الكبرى «تحتكر» النشاط الاقتصادي إلى حد كبير بحيث أنه لم تكن هناك «خيارات» كثيرة أمام الزبون. وكان يدفع غاليا ثمن المنتجات والسلع.
أما الخطوة الأساسية الأولى في «العمل» المطلوب فيحددها المؤلف في «العودة الملحّة إلى الثقة». ويشير إلى أن «بدايات» مثل هذه العودة تظهر في عدد من المؤسسات والشركات.
في المحصلة يرى المؤلف أن «القاطرة» الأساسية لإيجاد ما هو «ضائع من التسيير الإداري»، كما يقول عنوان الكتاب، تتمثل في المقولة التالية: «طالما أنه لم يتم تغيير ما يفعله البشر (بالتعارض مع إجراء مجرد تبديل طفيف في تنظيم العمل) فإنه لا يكون قد تمّ في الواقع أي تغيير، إلا ربما القيام بنوع من التمويه، الماكياج».
الكتاب: ضائع من التسيير الإداري
تأليف: فرانسوا دوبي
الناشر: سويل باريس
2011 الصفحات: 268 صفحة
القطع : المتوسط
Lost in management
François Dupuy
Seuil - Paris- 2011
268p.
