يتمحور كتاب (الإسلام والانغلاق اللاهوتي) لمؤلفه هاشم صالح، حول سؤال أساسي يتعلق بالسبب الذي أدى إلى تحول الأصولية الإسلامية إلى المشكلة رقم واحد في العالم وما هو الشيء الذي يميزنا عن بقية أمم الأرض لكي نصبح العدو الذي يتجرأ على تحدي أكبر حضارة على وجه البسيطة؟ ولماذا أصبح الخطاب السياسي العربي الحديث مجيشاً بمعظمه لمحاربة الغرب؟ ولماذا تحولت كل خطابات (القومجيين) العرب و(الأصوليين الإسلامويين) إلى خطاب جبّار يهدر صارخاً بكره الغرب؟

ويجيب المؤلف عن كل تلك الأسئلة بالانغلاق الديني المسيطر في تاريخنا، وهذا الانغلاق مؤداه أننا الحضارة الوحيدة على وجه الأرض التي تعتقد بأنها تمتلك الحقيقة المطلقة، بل وتحتكرها احتكاراً كاملاً ونهائياً لنفسها من دون سائر الأمم.

ولذلك يؤكد المؤلف ضرورة التخلي عن عنجهيتنا الفارغة التي توهمنا بأننا مركز العالم، في حين أننا لم نعد حتى على هامشه. وعلى الرغم من إدراك المؤلف بأن هذه العملية مؤلمة وقاسية وجارحة للنرجسية الذاتية، إلا أنه يؤكد أنه لا بديل عنها، لكي تتحرر الشخصية العربية من استلابها وأوهامها المزمنة منذ سنوات طويلة.

وهذا الأمر الذي يسمح لنا برؤية تاريخنا وتراثنا بعيون جديدة، عيون تضع نصب عينيها الموضوعية والعقلانية بعيداً عن أوهام وعواطف البطولات والأمجاد الفارغة. وعندها فقط يمكن للعرب أن يستيقظوا كما استيقظ أهل الكهف ذات مرة!

كما يتوقف المؤلف عند بعض التجارب الثقافية التي تناولت الإسلام السياسي بالنقد والتحليل، ولا سيما تجربة عبد الوهاب المؤدب وميشيل دوس وهانزكونغ وألفريد موابيا وعياض بن عاشور وغيرهم.

ويبين المؤلف أن عبد الوهاب المؤدب هو أحد المثقفين الذين استشعروا مرض الأصولية واكتشفوا (مرض السلفية) الذي يعاني منه الإسلام.

وتقوم الأطروحة الأساسية عند المؤدب على أن شعور المسلمين المعاصرين بالمرارة بسبب انحطاطهم التاريخي، بعد أن كانوا سادة العالم علمياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً، يجعلهم يشعرون بـ(الغلّ والضغينة والحسد) تجاه الغرب. أما أطروحته الثانية فتبين أن (التزمت) في الإسلام ليس وليد اليوم، بل يعود في جذوره إلى أعماق التاريخ الإسلامي.

كما يناقش المؤلف تحليل ميشيل دوس للعنف الديني، إذ يجد دوس أن المسلمين استخدموا الآيات التي تدعو للقتال بشكل مفرط وأخرجوها عن سياقها التاريخي، من أجل ارتكاب أعمال عنف إرهابية مضادة للمقصد العام للقرآن، أما القرآن فإنه (نص معتدل) في مختلف المجالات، ولا يميل إلى الانتقام إلا في حالات معينة، ناهيك عن دعوات القرآن الدائمة إلى التأمل والتفكير والتروي.

والمشكلة مع المسلمين - بحسب دوس - ان إحساسهم بأن الحق معهم وزيادة تدينهم أعمت بعضهم وجعلتهم ينسون الآيات التي تدعو إلى التسامح والاعتدال.

كما يتوقف الكاتب عند مفهوم الجهاد الذي قدمه ألفريد مورابيا. ومفهوم الجهاد الإسلامي بالنسبة لمورابيا هو من صنع الفقهاء أكثر من كونه من صنع القرآن، لأن الفقهاء هم الذين اعتبروه من الوصايا الإلهية الأساسية، وهم الذين أخرجوه من سياقه التاريخي وحاولوا تعميمه على كل التاريخ، ليتحول إلى قضية جوهرية وليس قضية زمانية.يضاف إلى كل ذلك، أن الجهاد استخدم أيضاً بين المسلمين أنفسهم، وهذا يسمى (الجهاد الداخلي) وأحياناً (الفتنة الكبرى). فجهاد المسلمين ضد بعضهم البعض لا يقل عنفاً عن الجهاد ضد غير المسلمين، بل إن الجهاد الداخلي بين السنة والشيعة والخوارج يكاد يفوق الجهاد الخارجي بكثير. ويبين عاشور أن الفقهاء المتشددين لعبوا دوراً كبيراً في قيادة الشارع والجماهير نحو المزيد من التطرف وإغلاق فسحة الحرية والمناقشة، حتى انهم أجبروا الخلفاء على مجاراتهم في تطرفهم، الأمر الذي أدى إلى ظهور ما يسميه (الأصولية السنية).

الكتاب بمجمله جولة واسعة في ظروف ظهور (الانغلاق اللاهوتي في الإسلام) سواءً كانت ظروف قديمة أو مستجدة، كما أنه استعان بعدد من الباحثين والمستشرقين لمناقشة كيفية الخروج من هذا (المرض) الذي أخذ يهدد مستقبل الإسلام والمسلمين.

الكتاب: الإسلام والانغلاق اللاهوتي

تأليف: هاشم صالح

الناشر: دار الطليعة ورابطة العقلانيين العرب بيروت ‬2010

الصفحات: ‬376 صفحة

القطع: الكبير