يتناول الباحث منير الحافظ في كتابه الجديد (مظاهر الدراما الشعائرية) التكوين (البيولوجي) للكائنات الحية، وصور السلوك الغريزي التي تقوم بها، بحكــم تكوينها الفطري المجرد من أي معرفة مسبقة أو تفكير أو تخطيط لوظائفها الطبيعيــــــة، تبين أنها تقوم بوظائف حددتها إرادة الإله (الخلاق) وفق إيقاعات غريزية ثابتة، كسلوك النحل، ودودة حياة النبات والحشرات، والتناسل الحيواني.. الــــخ؛ إذ تؤدي دورها القيمي الإلهي بانتظام دقيق دون خلل أو خرق لقواعد الحياة الناظمة، وتعي الكائنات طبيعة وظائفها، على اعتبار القيم الوظيفية الفطرية هي عقل غريزي كامل ومطلق، وغير ذلك فإن أي خلل في سلوكها الوظيفي، سيمضي بها إلى الفناء، أما الكائن البشري البدائي، فإنه يختلف عن بقية أقرانه من الكائنات الحية لأسباب منطقية، أجملها حسب حالات الارتقاء الذهني وليس الارتقاء الجسدي كما خالها كثير من علماء ومفكري العلوم الحداثية. يرى منير الحافظ أن (لغة التعبير الجسدي) مع توسع فضاء الوعي لدى الإنسان، وبفضل تفسيره حركة الطبيعة الظاهرية العيانية توصل نوعا ما إلى فك رموزها، ومعرفة وجه العلاقة بين مكوناتها وتمكن من تمييز مختلف أصوات كائناتها الحية منها والمادية، ويرجع ذلك إلى محاولة تقليده تلك القوى الفعالة، وانبرى يرتقي بحسه الأناسي من حالة الدهشة أو الخوف إلى حالة التأمل والرغبة في الحيازة المعرفية، فتحول السؤال من مدهشات الظواهر الكونية الخارقة إلى مستأنسات معرفية تفصح عن جماليات الخالق للوجود البديع، والسعي في البحث المعمق عن سرّانية القيم، وتحطيم حجب العماء الذي يحول دون معرفة حقائق العالم، الأمر الذي دفع الإنسان البدائي لأن يمارس طقوساً اتخذ من الحركات المنظمة رموزاً تقربه من الخلاق، أو تستحضره في الحالة الشعيرية، بوصفه قوة متماهية في الأشياء، كما جعل من تكرار الشعيرة مقابل تكرار الظاهرة الطبيعية، تقليداً ثابتاً، يرتقي حيناً إلى درجة اليقينية، بل إلى القدسية، ومن تلك الطقوس برزت ما ندعوه (بمظاهر العرض الدرامي) التي شكلت بحق بذور الفن البدائي، وأرست تقاليد ثقافية أناسية، واتخذت من التجربة والخبرة المديدة القاعدة الأساس في البناء الدرامي.

وعن مفهوم (التطهير عند أرسطو) يجد الباحث أن أرسطو اعتبر التمثيل (الدراما) هو خلق تقليدي للعالم الآخر من خارج الذات، ويتجلى من حيث أنه نزوع داخلي يمثل الخواص الروحية لمحتوى الحياة بذاتها، ومن خلالها يثبت موجوديته، ويتحسس موقعه، ويدرك أنه جزء لا يتجزأ من بنية الوجود.

وعن(المظاهر الشعائرية) يرى الباحث أنها تجارب درامية تأملية تبحث في فحواها عن اكتناه سرّ المشخص المدهش، أي تجسيد المتأمل عبر رؤى الشك التجريبي لإدراك الحقائق اليقينية ولم ير الإنسان في التقاليد مجرد لحظات عابرة في زمن مضى وإنما سعى جاهداً إلى خلق اللحظات الحداثية وتطويرها معرفياً وفنياً، إلى أن تماهى فيها وتماهت فيه، حتى باتت خاصة من خواصه الشخصية (الروحية، المعتقدية النفسية) من بعد أن بذل إزاءها جهداً عضلياً ونفسياً وفكرياً ولا يزال في صراعها المحتدم مع قوى الطبيعة عبر المراحل التاريخية القاسية، يتطلع بأمل وحلم عال لتحقيق معناه الروحي والمادي على السواء، ولاشك نتيجة لهذا الصراع والتفاعل، طفقت ملامح الوعي الجمالي تتشكل في الفعل الأناسي.

الكتاب: مظاهر الدراما الشَعائريّة

تأليف: منير الحافظ

الناشر: النايا للدراسات والنشر والتوزيع دمشق ‬2010

الصفحات: ‬250 صفحة

القطع: الكبير