«تاريخ كرة القدم» للأستاذ الجامعي الفرنسي «بول ديتشي» كتاب يؤرخ للرياضة العالمية الأولى اليوم منذ «اختراعها» في نهايات القرن التاسع عشر ببريطانيا لتغدو بعد ذلك اللعبة الأكثر شعبية في العالم. ويؤكد المؤلف أن تاريخ هذه اللعبة لا يزال ،رغم ذلك ،مجهولا إلى حد كبير رغم شعبيتها.

لذلك يشرح على مدى أكثر من ‬600 صفحة المسار التطوري لمختلف مظاهر كرة القدم السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كما يؤرّخ لتاريخ الأندية الكبرى ولا ينسى التعرّض لسيرة «نجوم» هذه اللعبة في تاريخها كله.ويصوغ المؤلف بداية عددا من الأسئلة كي يحاول الإجابة عليها لاحقا. أسئلة من نوع: كيف تمّت ولادة أندية كرة القدم واتحاداتها والمنافسات الدولية؟ متى وكيف جرى تحديد القواعد الخاصة بعدد اللاعبين والبطاقات الصفراء والحمراء والضربات الركنية وضربات الجزاء؟ ما هي التطورات الكبرى، التكتيكية منها والتقنية ،التي عرفتها اللعبة؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها المؤلف في هذا الكتاب، ربما الأكثر اكتمالا، عن تاريخ كرة القدم، اعتمادا على العديد من المصادر والوثائق التي يتم استخدامها للمرة الأولى، والعائدة خاصة للفدرالية الدولية لكرة القدم.

بعد أن يشير المؤلف إلى واقع التهميش الذي واجهه تاريخ الرياضة من مجال الدراسات «الجدية»، يبدأ بالتأريخ لكرة القدم على مدى الفصول العشرة التي يتألف منها الكتاب. في الفصل الأول يشرح المؤلف ما يسميه «ولادة كرة القدم وتطورها» في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بالمملكة المتحدة، بريطانيا. يتم التأكيد في هذا السياق أن تنظيم بطولة كأس بريطانيا لعام ‬1871 كان ذا أهمية كبيرة لنجاح لعبة كرة القدم. ذلك أن الشرائح الشعبية في المدن أعلنت تبنّيها الكامل لها وبدأت الجماهير الغفيرة تترقب مبارياتها. لقد زادت بالوقت نفسه ممارستها من أعداد متزايدة وأصبحت أحد أهم «الاستعراضات» الجماهيرية. لكن بالوقت نفسه ظهرت «الممارسات العنيفة» على أرض الملاعب.

ويبيّن المؤلف في الفصل الثاني من الكتاب الآليات التي انتقلت فيها كرة القدم من «موطنها الإنجليزي» إلى بقية أنحاء العالم، وخاصة حتى الحرب العالمية الأولى. وكانت قد لقيت ترحيبا كبيرا في سكوتلندة بينما صادفتها عقبات كبيرة في «بلاد الغال» حيث كانت «الركبي» هي الرياضة المفضّلة، كذلك وجدت مقاومة في ايرلندة حيث كانت الأفضلية لـ «الرياضات المحلية».

بالتوازي لم تلق نجاحا كبيرا في عدد من بلدان «الإمبراطورية البريطانية» كون أنها «لعبة المستعمرين»، مثلما كان في الهند واستراليا وزلندة الجديدة وجنوب إفريقيا. هذا مع استثناء بعض الدول في إفريقيا مثل غانا ومصر. أما في أميركا اللاتينية (خاصة البرازيل والأرجنتين والارغواي) فقد دخلت عن طريق المرافئ والمنشآت الصناعية مثل السكك الحديدية وغيرها.

الكتاب مكرّس لدراسة تطور كرة القدم في فترة ما بين الحربين العالميتين. هذا بداية من تنظيم كأس البطولة الإنجليزية في ملعب «ويمبلي» عام ‬1923 الذي تمّ بناؤه للمناسبة. حلّت بعد ذلك فترة بناء الملاعب الكبرى. ثم شهدت نهاية عقد العشرينات الماضي «تعميم» الاحتراف واستمرت نفس الظاهرة في سنوات الثلاثينات التالية. ومن النتائج التي ترتبت على ذلك يشير المؤلف خاصة إلى تعاظم المنافسة بين النوادي. كما استمرّت بالتوازي المنافسة بين أنصار «الاحتراف» ودعاة «الهواية».وكانت الفدرالية الدولية لكرة القدم التي تأسست عام ‬1905 قد نظّمت أول بطولة للعالم عام ‬1930 في الأورغواي. كما جرى بطولتان عالميتان تاليتان قبل نشوب الحرب العالمية الثانية عام ‬1934 في إيطاليا وعام ‬1938 في فرنسا. كانت تلك الفترة قد عرفت أيضا تبدلا كبيرا في «مكانة» اللاعبين وحيث بدأ القائمون على «عالم الإعلان» يستخدمون «نجوم» كرة القدم لتشجيع «الاستهلاك الجماهيري».يتعرّض المؤلف لدراسة تطور كرة القدم في كل من بلدان جنوب القارة الأميركية ثم في أوروبا وأخيرا الحالة الفرنسية. يتم التأكيد في هذا الإطار أن بلدان جنوب أميركا حاولت منذ سنوات الثلاثينات الحد من تفوّق أوروبا داخل الفدرالية الدولية لكرة القدم.

كما حاولت الأنظمة العسكرية في الأرجنتين وشيلي مثلا استخدام هذه اللعبة كأداة للدعاية لها. ويحاول المؤلف في الصفحات الأخيرة من الفصل المكرّس لجنوب أميركا الإجابة على السؤال التالي: ما هي الأسس التي قامت عليها أسطورة مارادونا؟

أما كرة القدم الأوروبية فقد عرفت ترسّخ عمليتي «التنظيم» و«التسويق» في مجال كرة القدم. كما واجهت أوروبا مشاكل عديدة في تأسيس الفدرالية الأوروبية لكرة القدم بحكم وجود الانقسام الإيديولوجي بين الغرب «الرأسمالي» والشرق «الاشتراكي»، هذا فضلا على المسائل المتعلقة بانضمام تركيا وإسرائيل لها. وكان من أهم إنجازات الاتحادية الأوروبية تنظيم بطولة الأندية «البطلة» في القارة التي لم تكن المصالح التجارية غائبة عنها، كما يؤكد المؤلف. وكانت سنوات الخمسينات والستينات قد عرفت سيطرة نادي «ريال مدريد» مع لاعبه الكبير دي ستيفانو. وكان ذلك الفريق بالوقت نفسه «واجهة للفرانكية، أي لنظام فرانكو». ثم جاء دور نادي برشلونة وأجاكس امستردام وغيرهما.

تتم الإشارة في هذا السياق أن فرنسا عرفت عصرها الذهبي مع بلاتيني وزيدان.

الكتاب: تاريخ كرة القدم

الناشر: بيران باريس ‬2010

الصفحات: ‬619 صفحة

القطع : المتوسط

Histoire du football

Paul Dietschy

Perrin - Paris- 2011

619p.