لا تزال الحرب الأفغانية دائرة منذ عقد من الزمن تقريبا. والمراسل الحربي الأميركي في مجلة «فانيتي فاير» أمضى ‬14 شهرا خلال عامي ‬2007 و‬2008 في إطار الكتيبة ‬173 المحمولة جوا المنتشرة في وادي «كورنغال» بأفغانستان حيث دارت أكبر المعارك بين قوات التحالف الأطلسي والمقاومون الأفغان لوجودهم. وكانت ثمرة تجربة الصحافي الأميركي في أفغانستان هي هذا الكتاب الذي يحل عنوان «الحرب».

هذا كتاب عن الحرب أكثر مما هو كتاب في التأريخ للحرب الدائرة في أفغانستان. هكذا يعتبر المؤلف هدف عمله. ويشير مباشرة أن القسم الأكبر مما يُكتب ويُقرأ ويُسمع عن الحرب الدائرة في أفغانستان يدور بشكل رئيسي حول السياسات والإستراتيجيات.

ولا يتردد المؤلف في التأكيد مباشرة أن همّه الأول ليس مثل هذه» التجريدات»، ولكن بالأحرى الكيفية التي يعيش فيها الجنود الأميركيون الذين جرى إرسالهم بعيدا للقيام بما يسميه المؤلف بـ «العمل القذر» المتمثل في الحرب. ويحدد القول أكثر أن المقصود أولا هو الجنود من «الرجال» ذلك أن من يعنيهم هم أولئك الذين كانوا يتواجدون على الخطوط الأولى حيث من غير المسموح خدمة النساء.

لكن إذا كانت جبال أفغانستان ووديانها وسهولها هي الإطار الجغرافي الذي تدور فيه المعارك التي عاشها المؤلف، فإنه يتحدث عن الحرب «خارج زمنها ومكانها» من خلال «التأملاّت» التي يقدمها حول «الذهنية» و«الانفعالات» التي عرفها الجنود الذين تقاسم معهم المصاعب والأخطار حيث مرّت، كما يقول، فترات «جهنمية». ويردد المؤلف بأشكال مختلفة المقولة الشائعة القائلة أن «الحرب هي الجحيم»، قبل أن يضيف «لكنها ليست هذا فحسب».

ويشرح المؤلف أن أولئك الذين يخوضون الحرب يعيشون نوعا من «الروابط» بطريقة ليست هي بالضرورة التي يعرفها المجتمع المدني، في هذا المجتمع تمثل الرابطة بين الأهل ـــ الأطفال الأكثر قوة، ولكنها لا تتسم بنفس القوة «في الاتجاهين». ذلك أن الأطفال عامة ليسوا على استعداد للموت من أجل أهلهم، لكن بالمقابل أغلبية أولئك الجنود الذين عاش المؤلف معهم على الخطوط الأولى من الجبهة كانوا على استعداد، كما يقول، للموت من أجل الآخر.

ويضيف أن إحساس المرء بوجود مجموعة حوله من هذا النوع يمنحه الأمن ويشكل ملاذا له من رعب خوض المعارك. تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الكثير من الجنود الجرحى أثناء الحرب العالمية الثانية كانوا يطالبون، بعد إسعافهم في المستشفيات الميدانية، بالعودة إلى خطوط الجبهة الأولى والالتحاق بوحداتهم. لقد كان الالتحاق برفاقهم أكثر أهمية لديهم من مواجهة خطر الموت. ويروي المؤلف الكثير من الأحداث والوقائع التي تدعم تأملاته ومقولاته حول الحرب.

هكذا نقرأ عن مجموعة من ثمانية جنود أطلسيين «أميركيين» وجدوا أنفسهم في مرمى كمين من طالبان. وعندما أصيب قائد المجموعة بجرح قاتل تولّى آخر مكانه وقام بما أدّى إلى تجنّب فناء المجموعة كلها.

ذلك تطبيقا لمبدأ «ضمني» يتطلّب من كل فرد اتخاذ «القرارات التي لا تقوم على أساس ما هو الأفضل بالنسبة له، ولكن ما هو الأفضل بالنسبة للمجموعة»، كما يكتب المؤلف: «إذا فعل الجميع ذلك، فإن أغلبية المجموعة تنجو. لكن إذا لم يفعل أحد ذلك، فإن أغلبية المجموعة تموت. وهذا هو باستمرار جوهر جميع المعارك».

ويشير المؤلف أن البشر يمثلون «الكائنات» الوحيدة التي يمكن أن تكون مستعدة للموت من أجل قضيّة.

وبالنسبة للجنود الذين عاش معهم، يرى أن القضيّة الأكثر أهمية، وربما القضية الوحيدة، هي «الآخر». وهذا ما يعني فيه المؤلف القول أن كل جندي مستعد للتضحية بحياته من أجل رفاقه إذا دعت الضرورة ذلك.

لكن هذا التضحية من أجل الآخر، «رفيق السلاح»، لها وجه آخر يحدده المؤلف في «الوحشية الكاملة» في مواجهة العدو. وبهذا المعنى يمكن لـ «أخوة السلاح» والبحث عن «حماية الرفاق» أن تجعل البشر «متوحشين». وينقل بهذا الصدد عن بعض الجنود مثل المدعو «ستينر» الذي أكد أنه ورفاقه لم يكونوا بعيدين عن روح «السادية».

الكتاب: الحرب

تأليف: سيباستيان جنغر

الناشر: فورث استيت نيويورك ‬2010

الصفحات: ‬300 صفحة

القطع: المتوسط

War

Sebastien Junger

Fourth Estate- New York- 2010

300p.