ساد الاعتقاد على مدى العقود المنصرمة أن مشهد الطاقة العالمي لم يتغير كثيرا. لكن ما يؤكده باحثون كُثر في عدادهم الباحث الجيولوجي الأميركي سكوت ل. مونتغمري هو أن الأمور ستتغير كثيرا في أفق العقود القليلة القادمة. وهذا ما يشرحه في كتابه الذي يحمل عنوان: «الإمكانيات القائمة: الطاقة العالمية خلال القرن الحادي والعشرين وما بعده».
المؤشر الأول الذي يؤكده المؤلف هو أن الارتفاع الكبير على طلب البترول في العالم سوف يتواكب مع تضاؤل الاحتياطي من هذا المصدر الرئيسي للطاقة. والمؤشر الثاني هو أن البلدان المتقدمة، والأقل تقدما، في العالم أجمع سوف تبذل أقصى جهودها من أجل البحث عن مصادر طاقة جديدة، بل سوف تدفع مواطنيها لتبنّي اقتصاد الطاقة الحديث. والمؤشر الثالث هو أن تهديد التغيّر المناخي سوف يتعاظم باستمرار. ومحصلة هذا كله يحددها المؤلف بالقول أن «هموم الطاقة سوف تبلغ مستوى قياسيا» لم تشهده من قبل.
ويحدد سكوت ل. مونتغمري هدفه من تحليلات كتابه بالإجابة على سؤالين أساسيين هما: أين نحن اليوم على صعيد الطاقة؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ أما الإجابة فـ» في عين، أو بالأحرى في عقل، ذلك الذي يدقق النظر»، كما يقول المؤلف.
ودون الدخول في منطق التحذير والإنذار السائد، يشرح المؤلف واقع أن الإنسانية تلجأ بنسبة 80 بالمائة فيما يتعلق بتلبية حاجاتها من الطاقة إلى المصادر المستخرجة من باطن الأرض. لكنه يقدّم بالوقت نفسه توصيفا لمختلف خيارات الطاقة المطروحة، خاصّة المتاحة حاليا مثل المياه والطاقة الشمسية، وكذلك الطاقة «الواعدة» التي لا تزال في بدايات ظهورها مثل تلك المستمدة من الهيدروجين أو مصادر الطاقة الأخرى.
ومهما كانت مصادر الطاقة المستقبلية يؤكد المؤلف أمرا حاسما بنظره هو أن مستقبل الإنسانية على صعيد الطاقة لن يكون سهلا ولن يتحقق عبر تحقيق قفزات كبيرة في مجال واحد، ولكن بالأحرى يرتبط باللجوء إلى تنويع كبير في مصادر الطاقة بحيث يمكن تعويض الهشاشة أو الفشل في هذا المصدر أو ذاك.
ويتم التأكيد على أن مسألة «الاستقلال على صعيد الطاقة» ارتبطت إلى حد كبير بالمتغيرات الاقتصادية والسياسية في الماضي والتي قادت إلى تطورات هامة في مفاهيم الطاقة وآليات استخدامها. ثم يتم التركيز على القول أن الحقبة الراهنة تستدعي إجراء كبير في اتجاه تقليص التبعية لموارد طاقة «محدودة» من جهة، وخاضعة لحسابات سياسية وبيئية وأمنية، من جهة أخرى. ويتم في هذا السياق البحث في مفاهيم «الأمن الوطني» للطاقة وارتباطها بالتحدّي العالمي على هذا الصعيد خلال القرن الحادي والعشرين وفيما هو أبعد منه.
ولكن: هل وصل الإنتاج البترولي إلى قمّته وبدأ مسيرة التناقص؟ هناك من يقولون أن بلوغ هذه «القمة» بدا وشيكا، ويعتقد المتفائلون أنه لا يزال هناك متسع من الوقت أمام الإنتاج النفطي قبل بلوغها. لكن هؤلاء وأولئك يطالبون بضرورة تنويع مصادر الطاقة.
ما يؤكده المؤلف حيال مثل هذا التصنيف هو أن استخدام مفهوم الكمية المحدودة للبترول هو «سليم» حيث أنه يحيل إلى «تعلّم التواضع ومراقبة الشهيّة». ثم إن المجتمعات مطالبة باستخدام ثرواتها في منظور الاستمرار والاستدامة. وإذا كان من المطلوب «تشجيع التقدم» فإنه لا بد أن يتم ذلك مع التأكيد على أن يتم «دون تخريب» الكوكب الذي يعيش عليه البشر وبحيث أن سلوك الأجيال الحالية هو «درس» لما ينبغي أن تكون عليه سلوكيات الأجيال اللاحقة.
ويركز المؤلف على القول أن عصر «البترول زهيد الثمن» قد انتهى. ولكنه يشير إلى أن فكرة «نضوب البترول ذات يوم» قد عرفتها المجتمعات الغربية طيلة فترة الحداثة، وما بعد الحداثة. نقرأ: «لقد كان ذلك جيدا بمعنى ما. لكن لا بدّ من التذكير أنه يتمّ نسيان ذلك خلال فترات الحبور، وأن بعض الثروات لها نهايات وأنه ينبغي علينا أن نتأمّل ونخطط للحظة التي ستنتهي فيها الوفرة، وسيكون علينا البحث حكما عن بدائل».
ويجد المؤلف «مرجعيته» الأساسية في هذا السياق لدى «توماس مالتوس» عندما تحدّث عن «عيوب الإنسانية»، واعتبر أن «الشهية المفرطة» مؤذية، وليس في مجال التغذية فقط.
الكتاب: الإمكانيات القائمة، الطاقة العالمية خلال القرن الحادي والعشرين وما بعده
تأليف: سكوت ل. مونتغمري
الناشر: جامعة شيكاغو 2010
الصفحات: 408 صفحة
القطع: المتوسط
The powers that be
Scott L. Montgomery
University of Chicago Press- 2010
408p.
