يهتم محمد الأرناؤوط في هذا الكتاب بدراسة دور الوقف في العصور الإسلامية الماضية في مختلف المجالات، الاقتصادية والعمرانية والتعليمية والثقافية، وبعرض جوانب من بعض التجارب الوقفية الجديدة في عالمنا الحاضر، مؤكداً على الاهتمام الجديد بالوقف وإعادة الاعتبار إليه في المجتمع، حيث حظي الوقف الإسلامي، في السنوات القليلة الماضية، باهتمام متزايد من طرف العديد من الباحثين والمؤرخين والدارسين في البلدان العربية والإسلامية وحتى الأوروبية.

ويعزو محمد الأرناؤوط سبب الاهتمام بظاهرة الوقف إلى التخبط والفشل في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في جميع الدول العربية والإسلامية، التي أخذت بنموذج الدولة الحديثة في نسختها الشمولية، والذي أبرز الحاجة من جديد إلى الوقف، بوصفه الحامل السابق للمجتمع، إذ كان يغطي عجز وتقصير الدولة ويقدم الخدمات اللازمة للفئات المهمشة والمحرومة في المجتمع.

ويرى الأرناؤوط أن أبعاد الوقف وأغراضه متداخلة، يصعب التمييز فيها بين ما هو ديني وما هو علمي وما هو صحي واجتماعي، لذلك يجري تمييز هذه الأبعاد مراعاة لمقاصد الواقفين وشروطهم، فما كان لبناء المساجد والدعوة إلى الله والجهاد وإقامة شعائر الإسلام يضاف إلى البعد الديني، وما كان لإنشاء المدارس ورعايتها والإنفاق على العلماء وطلبة العلم يدرج في البعد العلمي، وما كان لإنشاء المستشفيات والإنفاق عليها وعلى المرضى وعلى الأطباء والأدوية يدرج في البعد الصحي.

وفي بلاد الشام شهد الوقف تطوراً فقهياً وتاريخياً ملحوظاً مع الدولة الزنكية، ووريثتها الدولة الأيوبية، بعد أن أفتى الإمام ابن أبي عصرون بجواز وقف السلاطين باعتباره إرصاداً لبعض بيت مال المسلمين على مصالحهم. وتمخض عن ذلك قيام السلاطين بإنشاء الكثير من المدارس والبيمارستانات في حلب ودمشق والقاهرة وسواها. وساهمت الحروب الصليبية، وما تميزت به كر وفر في المعارك وإذكاء الروح الدينية والصوفية، في ظهور أنواع جديدة من الوقف مثل الوقف على الأسرى والخانقاوات وغيرها. ثم مع بروز الدولة المملوكية، ولاعتبارات خاصة بطبيعة هذه الدولة، استمر الوقف في التنوع والتوسع ووصل إلى ذروته مع الدولة العثمانية، حيث لعب دوراً مهماً في نشوء عدد كبير من المدن الجديدة وتطور المدن الأخرى التي كانت موجودة في مطلع العصر العثماني سواء في بلاد البلقان أم في بلاد الشام.

ويعتبر الوقف النقدي، أو وقف النقود، من الظواهر المميزة للعصر العثماني، حيث برز شكل جديد للوقف في منطقة البلقان، وينهض على وقف مبالغ كبيرة تُقدم بفائدة محددة للتجار وأصحاب الحرف، بحيث يضمن هذا الوقف مصدراً ثابتاً لتغطية نفقات مشاريعه الخيرية. وعليه تحول الوقف إلى مؤسسة مالية مصغرة تمول مشاريع التجار وأصحاب الحرف بقروض ذات فائدة تتراوح في العادة بين (‬10٪ إلى ‬11٪).

وبات الوقف يقوم بدور جديد في تنشيط الحياة التجارية والحرفية في المدن، كما يوفر لنفسه من الفوائد التي يحصل عليها مصدراً ثابتاً لتغطية الخدمات المجانية التي يقدمها للمجتمع المحلي. وقد تطور مع هذا الموقف الجديد على الأرض موقف فقهي نجح في تمرير أو (تشريع) هذا التطور الجديد، بحيث لا يبدو متعارضاً مع الشريعة الإسلامية.

وحدث هذا التطور للوقف بشكل خاص مع فتح القسطنطينية عام ‬1453 م وانتقال العاصمة من البلقان (أدرنة) إلى (اسطنبول)؛ حيث ازدهر هذا النوع من الوقف في العاصمة الجديدة.

الكتاب: الوقف في العالم الإسلامي ما بين الماضي والحاضر

تأليف: محمد م. الأرناؤوط

الناشر: دار جداول بيروت ‬2011

الصفحات: ‬294 صفحة

القطع: الكبير