تسود لدى الفرنسيين فكرة مفادها أن بلادهم هي بطور الانحطاط والتقهقر الاقتصادي. هذا وكان قسم كبير من هؤلاء المتشائمين اليوم قد عرفوا حالة من «الحبور» و«الاعتزاز» خلال ما يسمّى «الثلاثينات المجيدة»، أي تلك العقود الثلاثة التي تلت الحرب العالمية الثانية.

العقود التي أعقبت نهاية فترة الصعود، أي منذ أواسط عقد السبعينات الماضي، يطلق عليها الاقتصاد الفرنسي ومدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي فيليب اسكينازي تسمية «العقود العمياء»، كما جاء في عنوان كتابه الصادر في مطلع هذا العام ‬2011، وهو يحدد العقود العمياء المعنية بتلك الواقعة بين ‬1970 و‬2010.

ويشرح المؤلف أن انحسار البطالة كان خلال العقود الأربعة المنصرمة «ظرفيا» و«عابرا» باستمرار. بالمقابل كانت فترات «التفاؤل» عابرة أيضا في نفس الفترة. والنتيجة هي أن «الأطفال اليوم لم يعودوا يحلمون بمصير أفضل من المصير الذي عرفه آباؤهم».

ويشير المؤلف أن الآمال التي انبثقت لدى شرائح واسعة في فرنسا مع وصول اليسار إلى السلطة عام ‬1981 عندما جرى انتخاب فرانسوا ميتران رئيسا للجمهورية خفتت مع وصول جاك شيراك إلى الرئاسة عام ‬1995، ثم خبت تماما مع انتخاب نيكولا ساركوزي عام ‬2007.

ويخرج المؤلف من هذا كله بعدد من النتائج التي تدلّ على سلسلة من الأخطاء السياسية التي ارتكبتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة والخبراء والمستشارون الذين كانوا يدفعونها في الاتجاهات الخاطئة. لكن الوضع العالمي القائم اليوم في ظل الأزمة المالية التي انفجرت في خريف عام ‬2008 يدل على أن جميع الاقتصادات العالمية الكبرى تواجه نفس حالة «العمى» حيال الأسواق المالية.

وفي نفس السياق ينتقد فيليب اسكينازي الفكرة السائدة في فرنسا اليوم والتي تجد تغييرها الأمثل في الحديث عن «مجتمع العجز وفقدان الثقة». والمقصود هو أن المجتمع الفرنسي «معادٍ للتقدم» وعاجز عن حل المشاكل الكبيرة التي يواجهها، وفي مقدمتها البطالة وتأمين فرص العمل للشباب وللنساء وحل مسألة الهجرة. وبالمقابل مطالبة من يقدّمون مثل هذا «التشخيص» بضرورة «استيراد» نماذج «موديلات» خارجية أثبتت نجاحها. هذا دون القيام بأي تحليل لهذه النماذج.

وغياب مثل هذا التحليل يعني «غياب النظرة التاريخية» في البحث عن أسباب الفشل الذي عرفته السياسات الفرنسية العامة خلال العقود الأخيرة في ميادين جوهرية مثل دمج الشباب في سوق العمل. وهكذا تشهد البلاد نسبة بطالة كبيرة منذ عام ‬1975 ونسبة حافظت باستمرار على مستوى مرتفع على عكس أغلبية البلدان المتطوّرة الأخرى. إنها «بطالة بنيوية» في فترة يرتبط فيها النمو الاقتصادي أكثر من أية فترة سابقة بـ «التجديد» وبـ «استثمار القدرة الإبداعية لدى الشباب».

ويضرب المؤلف أمثلة ملموسة على العجز الكبير في «فهم» الحكومات الفرنسية السابقة للمحيط الجديد ولمستلزماته. هكذا يشير إلى أن الحكومة التي ترأسها «ريمون بار» في التسعينات اعتبرت أن صعوبات إيجاد فرص عمل للشباب تأتي من رفضهم للعمل اليدوي. هذا في الوقت الذي كانت قد فرضت فيه الثورة التكنولوجية ضرورة التأكيد على أهمية التكوين.

ويشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات كيف أن مقولة «الاقتصاد الأخضر» التي تتردد كثيرا في الآونة الأخيرة تشكل بالأحرى، رغم أولوية الاهتمام بالمحافظة على البيئة، ردّ فعل على وضع قائم ولا تشكّل أفقا للتقدم ولا وسيلة للنمو الاقتصادي.

لكن المؤلف، مع كل أشكال النقد التي يوجهها للسياسات الاقتصادية الفرنسية خلال العقود الأربعة الأخيرة «العمياء»، يؤكد في الفصل الأخير من الكتاب، أن فرنسا أمة غنية ونشيطة. ويمكن للأزمة المالية العالمية الحالية أن تكون مناسبة لها كي تنهض من جديد. هذا شريطة أن تترك «الأفكار الجامدة» التي «سممت» سياساتها منذ ‬40 سنة، وأنها قادرة على شق سبيلها الخاص بها بعيدا عن «الموديلات» المستوردة حيث عليها أن تجعل أولويتها هي الانطلاق من احتياجات مجتمعها خلال العقد المقبل. وهذا «الحس السليم» جرى نسيانه خلال العقود الأخيرة، كما تقول إحدى الجمل الأخيرة من الكتاب.