«الحماقة؟» إن البشر «لا يزالون يتحدثون عنها منذ ‬28 قرنا»، هذا ما يؤكده المؤرخ والأستاذ الجامعي الفرنسي لوسيان جيرفانيون، في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان: «الحماقة». بعد أن كان قد قدم سابقا ما يربو عن ‬30 كتابا في الفكر والتاريخ الفلسفي.

ويشير المؤلف في تقديمه لهذا الكتاب إلى أن اللغة الشعبية في جميع أنحاء المعمورة حافلة بالحديث عن الحماقات التي يرتكبها البشر بكل مستوياتهم وانتماءاتهم الاجتماعية. ويؤكد أنه يريد الحديث عن «الحماقة» بالمعنى العام وكما جاء الحديث عنها على لسان الفلاسفة والمفكرين منذ القديم حتى اليوم. ذلك أنها «قديمة قدم الإنسانية»، كما يقول.

ويدرس المؤلف الكيفية التي ظهرت فيها الحماقة في فكر الفلاسفة المشاهير منذ أفلاطون وأرسطو ولوكريس حتى «اميل سيوران» المتوفى قبل سنوات و«جون دورميسون» الذي لا يزال على قيد الحياة. وليس الفلاسفة فقط ولكن أيضا كتاب وأدباء وفنانون من أمثال امبرتو ايكو وجورج براسانس وموليير ومارلو ومورياك ومونتين وغيرهم. وتشترك التوصيفات كلها في جميع الحقب والمجتمعات على القول ان الحمقى والجهلة والأغبياء وعديمي الثقافة وكل الذين ينضوون في إطار مثل هذه الزمر، إنما هم الذين يمنعون غيرهم «من أهل الفضيلة والذكاء» من العيش بسلام وسرور أثناء «عبورهم» في هذه الدنيا الفانية. وأولئك «الحمقى» يشكّلون جحافل جرّارة في مجمل المجتمعات وتسود حيالهم فكرة أنهم «الشرّ المستطير» الذي ينبغي الابتعاد عنه، وهكذا تتردد باستمرار مقولة «العيش منفردا مع الذات ومع بعض الذين يتم اختيارهم بعناية فائقة».

«الحمقى» متواجدون إذن في كل الأزمنة والأمكنة. لكن تعبيراتهم تتنوّع إلى حد أنه من المستحيل تقريبا صياغة تعريف واحد لهم، هذا مع أنه من الوضوح بمكان التعرّف على «الأحمق». لكن مما يثير قدرا كبيرا من الدهشة ذلك الاهتمام الذي أبداه «رجال عظماء» بالحماقة وبالحمقى. ويلاحظ المؤلف مباشرة أن النساء «مستثنيات» تقريبا من مثل هذا الاهتمام. لماذا؟ السبب الذي يقدمه يتمثل في القول ان «تاريخ الفلسفة صنعه رجال، وبالتالي غدا من الطبيعي أن يكونوا هم الذين استهدفتهم الملاحظات بكل الاتجاهات».

الأفكار حول الحماقة يجدها المؤلف في النصوص العبرانية والفلسفات اليونانية والرومانية ولدى آباء الكنيسة من أمثال القديس اوغسطين وغيره، ولدى الفلاسفة السابقين من مونتين وحتى بودريار، صاحب الفكرة الشهيرة بأن «حرب الخليج ؟ الأولى ــ لم تقع» ومرورا بموليير ومورياك ومالرو وغيرهم ممن عرفتهم الحضارة الغربية عامة ورغم اهتمام القدماء والحديثين بالحماقة فإنها تبقى «مثل الحب» يعرفها الجميع لكن لا أحد يستطيع تعريفها واقعيا. وهنا يسأل المؤلف: إذا كانت الشخصيات الكبرى من كل المشارب قد اهتمّت منذ ‬28 قرنا، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب، بحالة الحماقة، ألا ينبغي أن تكون الإنسانية اليوم قد وصلت إلى نهاية «سبيل الحكمة» واقتربت من الشفاء النهائي؟ وهو يجيب على هذا بالقول ان الحماقة تبدو للأسف مثل «فيروس شديد الخطورة والتخريب» لا يشير الأفق أن هناك دواءً ناجعا له. وهو «فيروس» يمكن «اكتشافه» أثناء كل لقاء مع الآخر، المؤهّل «وحده» للإصابة فيه.وهنا يفتح المؤلف قوسين ليشير أن أسوأ الحماقات هي حماقتنا، تلك التي نرفض أن نراها و«نلقيها دائما» على الآخرين. يكتب: «إننا جميعا حمقى افتراضيا، ويمكن أن ننتقل من الافتراض إلى الفعل في أية لحظة». ويشير إلى أن البحث عن الحماقة «لدى الآخرين» يجد وجهه الآخر في محاولة إعطاء «قيمة أكبر للذات». هذا بمعنى «أنني ما كان لي أن أفعل مثل تلك الحماقة». لكن هذا يعني أيضا نسيان حقيقة أننا دائما «حمقى» بنظر هذا أو ذاك.

ويتحدث المؤلف عما يسميه «الحماقة الظرفية»، أي تلك التي تنتشر في «أجواء الحقبة» والتي ربما لا ينجو منها أحد. هكذا مثلا كان أستاذه «جانكيليفتش». قد تحدث عن «جمهورية الحمقى الشاسعة» في القرن التاسع عشر. ويشير أن أفكار تلك «الجمهورية» جرى توارثها في الفترات اللاحقة ويحدد أحد أمثلتها بـ«إيديولوجية المساواة» التي أسست في فرنسا لفكرة تقضي بنجاح ‬80 بالمائة من المرشحين لنيل الشهادة الثانوية.

ويطالب المؤلف ببعض التسامح حيال «الحماقة» الصادرة عن أولئك الذين يعانون من قصور ما، بدني أو عقلي.

الكتاب: الحماقة؟ يتحدثون عنها منذ ‬28 قرنا

تأليف: لوسيان جيرفانيون

الناشر: البان ميشيل باريس ‬2010

الصفحات: ‬160 صفحة

القطع: الصغير

La sottise ?

Lucien Jerphagnon

Alb in Michel Paris 2010

160p.