يشير مؤلفو الكتاب:جاستن ماكارثي وأسعد رسلان وجمال الدين تاشكيران وعمر توران، إلى أنه اشتُهرت «وان»، التي كان السلطان سليمان القانوني قد أمر ببنائها عام 1534، اشتهرت بكونها مدينة كثرت فيها الأشجار والحدائق والكروم التي ميَّزتها عن الأراضي القاحلة المحيطة بها. وشكَّلت أسواقها ومخازنها، المركز التجاري لأرجاء جنوب شرق الأناضول كافة. ولقد ثار سكان «وان» الأرمن على الدولة العثمانية، واضعين ثقتهم بالروس الذين ما لبثوا أن انقلبوا ضدهم.
وكان الأرمن قد طَردوا المسلمين من الإقليم بمساعدة الروس لكن سرعان ما انقلبت الأدوار وطُرد الأرمن، فكانت هجرتهم نهائية، فيما عاد من بقي من المسلمين على قيد الحياة. بيد أنه لا يمكن اعتبار أيٍّ من الطرفين فائزاً بالحرب، إذ لقي أكثر من نصف السكان الأرمن في «وان» حتفهم، على غرار ثلثي السكان المسلمين تقريباً.
ولقد اعتبَرت الجمهورية التركية الشابة أنَّ إعادة البناء على الحطام مستحيلة فبنت مدينة جديدة في المنطقة الجنوبية الشرقية، وكانت تلك نهاية مدينة «وان» العثمانية. وقد تألَّف سكاَّن «وان» من الأتراك والأكراد المسلمين والأرمن والنساطرة المسيحيين، ونسبة ضئيلة من اليهود وغيرهم. وكان (أوليا جلبي) قد قام بزيارة إلى «وان» في العام 1655 وكتب عن وجود إثني عشر حيَّاً في المدينة، منها ثلاثة أحياء أرمنية.
واعتبر (أورهان كيليج) أنَّ عدد سكَّان المدينة تراوح في القرن السابع عشر بين 35 و45 ألف نسمة، شكَّل الأرمن 30٪ منهم.
أما الباقون فكانوا من المسلمين. ويُذكر أنَّ عدد سكَّان قضاء «وان» بلغ 79736 في العام 1912، منهم 45199 مسلماً بين تركي وكردي، و33789 أرمنياً، بالإضافة إلى 828 من انتماءات أخرى. ويتكلَّم مسلمو «وان» بأغلبيتهم الساحقة، اللغة الكردية، إشارة إلى أنَّ مجموعات كبيرة من الأكراد تعيش في «وان». ويبين مؤلفو الكتاب، انه هبَّت الثورة الأرمنية في عام 1896، وشنَّ الأتراك هجوماً على عدد من القرى الأرمنية في آذار 1896، بقيادة «سعد الدين باشا»، لكن التوترات الثورية في «وان» تصاعدت وقامت اللجان الثورية بتوزيع المناشير، وعلَّقت اللافتات الداعية إلى الثورة.
وقد صرَّح سعد الدين باشا أنَّ 340 مسلماً و219 أرمنياً قُتلوا بالتمرد بالمدينة. وقد هُزم الثوار الأرمن إذ فشلت ثورة 1896 وتشتَّتوا في «وان» إلى غاية وصول منظِّم حزب «الطاشناق» كيزاغ (فارتكس سيرينغيليان )، الذي راح يعيد هيكلة تنظيم الحزب في المدينة. ثمَّ تعاقب على رئاسة الحزب في «وان» عدد من القياديين مثل (فارتان شهباز) و(فاهان بابازيان) حتى عام 1908، لكنَّه ومع رحيل الثوار من «وان» لتولي مهام ومناصب في مدن أخرى، تسلَّم قيادة «الطاشناق» في «وان» مسؤولون بقوا في مناصبهم حتى الحرب العالمية الأولى، وهم: آرام وإشخان وفاراميان وبابازيان، ولو إنه لم تقع الحرب العالمية الأولى لكان الثوار الأرمن قد بلغوا أهدافهم بدون اللجوء إلى ثورة دموية، وكان شرق الأناضول لينفصل عن السلطنة فيحكم المسيحيون الأكثرية المسلمة. لكنَّه وبين عام 1912 و1914 قامت ثورات كردية عديدة من أسبابها دفاع الحكومة العثمانية عن حقوق الأرمن.
وأهمها ما قام به سعيد بيك الذي قتلته القوات العثمانية عام 1914، وإسماعيل سينكو الذي كان زعيماً عشائرياً من أكراد الشيكاك الإيرانية، والذي تخطَّى طموحه مجرَّد النجاح كزعيم تقليدي يقود عملية إطلاق الغارات، فقد كانت خطَّته التي عمل على تنفيذها طوال عقود، تقضي بتوحيد العشائر الكردية كافَّة تحت قيادته، ومواجهة الحكومتين العثمانية والفارسية، إذ لا يمكن معرفة ما إذا كان ينوي إنشاء دولة كردية فعلية، لكن من المؤكَّد أنَّه أراد الاستئثار بالسلطة.
غير أنَّه وبالرغم من فشل عمليات التمرُّد الكردية التي كان لها أثر كبير وسلبي على إقليم «وان» والسلطنة العثمانية في معظم عامي 1913 و1914، فقد تسبَّب المتمردون الأكراد بالفوضى في أجزاء كبيرة من جنوب شرق الأناضول . حيث اندلعت المعارك بين الجنود العثمانيين والمتمردين الأكراد، وبين مختلف العشائر. وتزامنت هذه المعارك مع الجهود الأوروبية الرامية إلى حسم مسألة المفتشيات وتقرير مصير شرق الأناضول، الأمر الذي أثَّر سلباً على نظرة الأوروبيين بالنسبة إلى قدرة العثمانيين على ضمان السلم الأهلي.
وبعد الهزيمة المشينة للعثمانيين في حرب البلقان الأولى، توقَّع الأرمن في «وان» نهاية السلطة العثمانية ورحبوا مجاهرة بانهيارها.غير أنهم ومع حلول شهر فبراير من عام 1915، أعلن، لا بل، بدأ التمرُّد الأرمني العام في أقاليم «وان» و«بيتليس» و«سيفاس» و«أضنة» و«أرضروم». وعقدت اجتماعات التنظيم الثوري في القرى الأرمنية في مختلف أرجاء المنطقة.
وكانت بعض المصادر الأرمنية قد ادَّعت أنَّ التمرُّد في «وان» بدأ إثر هجمات غير مبرَّرة على الأرمن في 20 من ابريل. لكنَّه نظراً إلى تاريخ الثوار الأرمن في «وان»، يستحيل تقريباً الشك في أنَّ الدافع الأولي خلف التمرُّد الأرمني لم يتبدل يوماً، وهو :استقلال الأرمن في شرق الأناضول.
الكتاب: التمرُّد الأرمني في «وان»
تأليف : مجموعة من المؤلفين: جاستنن مكارثي، أسعد أرسلان، جمال الدين تاشكيرا عمر توران
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون بيروت 2010
الصفحات:381 صفحة
القطع: الكبير
