يُطلقون على المشاهير في عالمي الفن والرياضة صفة «النجوم». كما يطلقون أحياناً نفس الصفة على البارزين في حقول أخرى. ومهما كان الموقف من هذه «النجومية» فإنها تشكل إحدى سمات الحياة الحديثة، ولكن ربما أنها إحدى أقل السمات فهماً. وفريد انغليز مؤلف الكتاب يحاول تسليط الأضواء على ظاهرة النجومية في كتابه الصادر حديثاً عن جامعة برينستون، تحت عنوان «تاريخ مختصر للنجومية».

يحدد المؤلف القول إن عمله هو «كتاب في التاريخ»، أي تاريخ ظاهرة النجومية ابتداء من القرن الثامن عشر في الغرب، بعد تقديم لمحة موجزة عن جذورها في الحضارة الغربية وصولاً إلى اليونان القديمة، حيث كان السعي لـ«البروز» ممارسة شائعة لدى أهل السلطة والفكر وغيرهم.

ويوزع فريد انغليز «تاريخ النجومية» بين ثلاثة أقسام يتألف منها الكتاب. يبحث الأول في «الشهرة والأحاسيس» والثاني مكرّس لـ«صعود النجومية» ويحمل الثالث عنوان «الماضي في الحاضر». وفي جميع هذه الأقسام يتوقف المؤلف عند ثلاثة مدن هي لندن وباريس ونيويورك.

في القرن الثامن عشر بدأ ظهور نوع من القانون «الكود» للنجومية توجّب على الفنانين وغيرهم من «طالبي الشهرة» التماشي معه كي يأخذوا «موقعاً متفرّداً» وفي الوقت نفسه يأخذون مسافة عن الجمهور العريض، لكن مع بروز ملامح «مجتمع الاستهلاك» جرى اختراع أشكال جديدة لتمضية أوقات الفراغ مثل صالات المسرح والحدائق العامة والمقاهي والصحافة، ما أتاح لأهل لندن الاهتمام أكثر بمتابعة نمط عيش فنانيهم وكتّابهم.

 

أما باريس فقد وضعت «الموضة» منذ القرن التاسع عشر، بواسطة مخازنها وبيوت أزيائها الكبرى، في صميم المفاتيح للوصول إلى النجومية. لكن بكل الحالات كان لا بد من انتظار القرن العشرين كي تصبح «النجومية» مسألة محورية في حياة الجماهير. لكن «النجوم» يضطرون اليوم، كما في القرن الثامن عشر، إلى تحاشي الجمهور العريض، وحيث كان على نجم مثل «دافيد غاريك» أن يحيط مسرحه بـ«الأسلاك الشائكة» كي تحميه من فضول عامة الناس ومن «اعتداءاتهم» اللفظية، هذا إذا لم تكن الفعلية.

وإذا كان فريد انغليز يعتبر أن عصر «النجومية» بامتياز هو العصر الراهن بسبب الدور الكبير الذي تلعبه مختلف وسائل الإعلام، وفي مقدمتها التلفزيون، فإنه يؤكد على أن هذه «الظاهرة» وجدت تجسّدها قبل حوالي ‬200 سنة بشخص «اللورد بايرون». ذلك أن اللورد كان قد أصبح «نجما شعبيا حقيقيا» على طريقته. ومن خلال نمط حياته وموهبته الشعرية و«تغذية» كل من هذه الصفتين عن الأخرى «استيقظ ذات صباح ليجد نفسه مشهورا». وكان كتّاب عدة قد حصلوا على «النجومية» عبر براعتهم، ليس في الكتابة فحسب، ولكن أيضاً في شهرتهم بالحصول على إنجازات رياضية. ومن هؤلاء الكاتبين ارنست همنغواي ونورمان ميلر.

وما يؤكد عليه فريد انغليز في كتابته لتاريخ النجومية هو أن هذا التاريخ لم ينته بعد، بل لا يزال مستمراً. لكن ما يمكن التأكيد عليه بالنسبة للحقبة الحاضرة هو أننا نعيش فترة انعطاف حقيقي في مدلول «النجومية». ذلك أن «الصعود» الكبير لما يسميه المؤلف بـ«وسائل الإعلام الاجتماعية» مثل «تويتر وفيس بوك ويوتوب» غيّر كثيراً من وسائل بلوغ النجومية. ذلك أنه يمكن للمرء أن يتصرّف وكأنه «نجم» حقيقي لدى من يتوجّه إليهم.

من جهة أخرى، ساهمت البرامج التلفزيونية، من نوع «ستار اكاديمي»، في صناعة «نجوم» كانوا قبل «مرورهم» في هذه البرامج «مغمورين» لا يعرفهم أحد. ولا يتردد المؤلف في أن يبدي هذا الإطار نوعاً من «الحنين» إلى نمط من «الشهرة» كالذي عرفته مارلين مونرو أو الممثل غاري غرانت. أي الحنين إلى نمط «زال» إلى حد كبير حيث «لم يكن نجوم السينما أكبر من الحياة التي يمثلونها على الشاشة فحسب، لكنهم كانوا بمعنى ما يمثلون طموحات أمة».

ويتم تأكيد واقع أن أولئك النجوم كان مسار صعودهم إلى أعلى مراتب النجومية قد انطلق من أدنى مراتب السلم الاجتماعي.

لقد صنعوا شهرتهم بمواهبهم وجهدهم وليس عبر «فبركة» إعلامية. هذا على عكس «النجومية» الحديثة التي هي مزيج من «الإعجاب والرغبة والازدراء». هذا دون الحديث عن «نجوم» من نوع خاص من أمثال «هتلر» و«موسوليني» وغيرهم ممن تقوم شهرتهم على البطش.

 

 

الكتاب: تاريخ مختصر للنجومية

تأليف: فريد انغليز

الناشر: جامعة برينستون

- ‬2010 الصفحات: ‬322 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

A short story of celebrity

Fred Inglis

Princeton University Press- 2010

322 p.