عندما هبط (شارل لاندبيرغ) في مطار بورجيه بالقرب من العاصمة الفرنسية باريس يوم 21 مايو 1927 لم يدشّن في الواقع عهدا جديدا للطيران منفردا من شاطئ المحيط الأطلسي الشمالي إلى الشاطئ الأوروبي فحسب، ولكن تلك الرحلة كانت أيضاً (رمزا) لانطلاقة أميركية جديدة. هذا ما يشرحه أستاذ التاريخ في جامعة لويزيان الأميركية، شارل ج. شيند في كتابه الذي يحمل عنوان: (1927 وصعود أميركا الحديثة).
ما يقوم به المؤلف هو نوع من (جمع) المؤشرات والمرجعيات والوقائع التي تذهب كلها باتجاه التدليل على الصعود الأميركي في دروب الحداثة اعتبارا من تلك السنة. هكذا يشير مثلاً إلى افتتاح أول خدمة هاتفية بواسطة (الكابل) عبر المحيط الأطلسي بين نيويورك ولندن. وكان عام 1927 قد شهد أيضاً تأسيس الخطوط الجوية الأميركية ـــ (بان أميركان) ـــ كرمز لإرادة تعميق الصلات مع العالم الخارجي.
وفي تلك السنة أيضاً اقترع الكونغرس الأميركي على مشروع تأسيس هيئة فدرالية تقوم لمدّة سنة بشراء فوائض سلع الإنتاج الزراعي لسنة من أجل المحافظة على الأسعار؛ الأمر الذي شكّل توجها اقتصاديا جديدا. هذا بالتوازي مع انتقال الولايات المتحدة في عقد العشرينات من أمة يتركّز اقتصادها على الإنتاج من أجل الاستهلاك إلى الانفتاح الاقتصادي على التصدير.
ولم تكن إرادة الخروج نحو الآفاق الجديدة ذات طابع اقتصادي فحسب، بل كان لها أحيانا خلفية استراتيجية، كما تشير عملية إرسال 1000 من جنود المارينز الأميركيين عام 1927 إلى الصين من أجل حماية المصالح الأميركية. وكانت هناك أحداث أخرى ذات دلالة واضحة مثل إنتاج شركة فورد لـ(15 مليون) سيارة.
ويعتبر شارل ج. شيندو أن عبور الطيار (لاندبيرغ) منفردا من الولايات المتحدة إلى فرنسا عام 1927 مثّل حدثا ذا (قيمة حاسمة) في مجموعة الأحداث التي عرفتها تلك السنة، لكنه يشير بالمقابل إلى عدة أحداث أخرى قد ألقت بعض الظلال على الصورة مثل إعدام العاملين (ساكو) و(فنزيتي) اللذين كانت قد تمّت إدانتهما في عام 1921 وجرى تنفيذ الحكم بتاريخ 23 أغسطس 1927. وكانت قصّة محاكمتهما قد شكّلت موضوع فيلم سينمائي شهير.
ويتم التعرّض أيضاً في سياق ظاهرة العنف إلى حدث آخر ألقى بظلاله على مسيرة الصعود الأميركي هو عودة ظهور العنف العنصري الذي مثلته خاصة مجموعة (كاكوكس كلان) التي تأسست عام 1865 بهدف محدد هو (تثبيت خضوع السود للبيض باعتبارهم الآسياد في ولايات الجنوب).
بالمقابل ازدهرت (الثقافة الإفريقية) في الولايات المتحدة، كما يعبّر المؤلف. ويحدد أحد مراكز ذلك الازدهار في حي هارلم بنيويورك تحت عنوان عريض هو (نهضة هارلم). تلك النهضة وجدت ترجمتها في ازدهار الإنتاج الفكري والفنّي و(ولادة) مجموعة من الكتّاب والفنانين في جميع المشارب.
هكذا برزت على مسرح النقاش العام مواضيع كانت غائبة تماما مثل حقوق الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية ؟ السود- والحديث عن (الوعي الإفريقي) و(المسؤولية الفردية) بعيدا عن محددات اللون والعرق. تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن النقاش كان حاميا جداً و(عنيفاً) أحياناً في البداية ثم أصبح مقبولا ومسؤولا. وذلك بدا في مواقف رجال سياسة ومفكرين وعلماء اجتماع مثل (الآن لوك) و(ماركوس غارفي) و(بوكر ت. واشنطن).
تلك الأمور والأحداث كلها، بما فيها ما هو إيجابي وما هو سلبي، تدل حسب التحليلات المقدّمة إلى أن الأمة الأميركية كانت تعاني من إحساس دفين بالقلق، بسبب مواجهة عدد كبير من التحولات الكبيرة الجارية والتي كانت تمتد من ظهور تكنولوجيات جديدة وحتى (غضب الطبيعة) الذي عبّر عنه (الفيضان الهائل) الذي عرفه نهر المسيسيبي في شهر أبريل من عام 1927. ولم يكن الدور المتنامي للنساء في الحياة العامة والانتخابات وبعيدا عن إصباغ صفة (الجديد) على المشهد الأميركي آنذاك.
تجدر الإشارة أن شارل ج. شيندو يؤكد أن عام 1927 كان أيضاً فترة (خصبة) للحصول على الشهرة. وهو لا يتحدث فقط عن الإنجاز الذي حققه الطيّار (لاندبيرغ) وعن الرقم القياسي الذي حققته شركة (فورد) في إنتاج السيارات، بل يتعرّض كذلك لما حققه رياضيون محترفون أصبحوا (نجوما) في عصرهم من أمثال (بيب روت) الذي برز في اللعبة الأميركية الأكثر شعبية، أي (البيسبول).
ولا يغيب عن اهتمام المؤلف التعرّض لبعض نجوم ونجمات السينما من أمثال (ماري بيكفورد) و(كلارا بوو) حيث ساهمت أفلام العشرينيات في توصيف الأوضاع الاجتماعية الأميركية، وخاصة صورة المرأة، في الثقافة الشعبية.
الكتاب: 1927 وصعود أميركا الحديثة
تأليف: شارل ج. شيندو
الناشر: جامعة كنساس -
2010 الصفحات: 244 صفحة
القطع: المتوسط
1927 and the rise of modern America
Charles J. Shindo
fo sserP ytisrevinU
0102 - sasnaK
.p 244
