يشرح كتاب أسطول الحرية، أحداث الاعتداء على سفن كسر الحصار، مبينا أنها خلقت حالة إعلامية - سياسية جديدة عبر النقل الحي لهذه الأحداث. وهكذا تسنى لشريحة واسعة من مشاهدي التلفزيونات، ولمتصفحي مواقع الانترنت، الوقوف على التطورات الدراماتيكية للهجوم الإسرائيلي المسلح على قافلة أسطول الحرية التركي، ما خلف القتلى والجرحى، وحالات من الذعر والخوف والسخط، خبرها المدنيون المتضامنون مع أبناء غزة. وأساء الهجوم المتعمد بشكل كبير لصورة إسرائيل في العالم.
وزعزع مفاصل العلاقة التاريخية بينها وبين تركيا، وأنهى الغزل السياسي والاقتصادي والعسكري بين الدولتين. ويقدم الكتاب، صورة تفصيلية عن اللحظات المأساوية التي اختبرها ركاب سفينة مرمرة، الذين يزيدون على 600 راكب.
ولكنها دون شك لن تبلغ الطابع التأثيري الذي نقله إلى القراء بعض أفراد طاقم محطة « الجزيرة» الإخبارية، المتواجدين على متن السفينة، لتصدر شهاداتهم في كتاب خاص. وهم: محمد فال، وسيمة بن صالح، عثمان البتيري، علي صبري دنون، جمال الشيال. الذين يمثلون خمسة صحافيين من طاقم الجزيرة، كانوا ينقلون أحداث ذلك النهار الدموي بأسلوب يتجاوز التقريرية التي تفترضها الكتابة الصحافية. إذ تغلب على السرد لغة لاهثة، تتبع الحدث منذ لحظة حصوله، وصولا إلى خواتيمه الدامية.
وتتميز شهادة محمد فال عن سائر الشهادات التي يضمها الكتاب، ليس فقط في تصويرها الدقيق للأحداث وتتبًع مجريات فصولها، لحظة إثر لحظة. وإنما في صوغها في لغة أدبية، تتوسل السرد القائم على التشويــق والإثـــارة. فهو ينجح في إسقاط الصور والمواقف على مجريات الأحداث. ويمهد لها على عادة الروائيين، بأسئلة تستدعي توظيفا للمخيلة.
ويشحن فال نصه بالصور التي تتقدم أحيانا على الحدث، وتؤخره إلى حين، ولكن سرعان ما تتراجع لصالح السرد، باعتباره الآلية المتاحة لإخراج المشهد بأدق أحداثه. فالسفينة التي تعرضت للحصار والهجوم، ليست عنده إلا غزة المحاصرة. ونجده في السجن الذي اقتيد إليه، بعيد الاستيلاء على السفينة، جدد قناعاته بما كان يؤمن به بشأن القضية الفلسطينية.
ولم ينس فال أن يأتي في شهادته، على ذكر نفر ممن كانوا إلى جانبه، أو من الذين ربطته بهم معرفة،أو صداقة، فيمر سريعا على أبرز ما طبع شخصية هؤلاء. من الصحافي التركي الذي كتب له أن يكون ضمن شهداء أسطول الحرية، والى الشيخ رائد صلاح الذي نجا من محاولة اغتيال إسرائيلية على ظهر السفينة، إلى أبي محمد الذي تأخر خروجه من السجن إلى اليوم التالي، وثم إلى المطران إيلاريون كبوتشي، زعيم طائفة الروم الكاثوليك في فلسطين، الذي حدثه عن الإسلام والمسيحية في فلسطين، بلغة تكاد تكون قرآنية.
وأيضا إلى محمد غلام الذي قرأ للمطران بضع آيات من القرآن الكريم. ومن جهتهـــا تُعــبر وسيمـــة بن صالـــح، التي تعمـــل كمترجمـــة مع هيئة الإغاثة والمساعــدات الإنسانية، عن فرحتها التي لا توصف، عندما أُبلغت بمشاركتها في أسطول الحرية. فبعد استعراضها لآلية الانطلاق من مدينة إسطنبول في يوم 22 مايو 2010، نجدها ترصد في شهادتها سيلا من المواقف والآراء والتمنيات، التي جاءت كتمهيد أولي يسبق العاصفة التي ستجعل راكبي السفينة يعيشون هول اللحظات ورعبها، عندما بدأ الهجوم الإسرائيلي على السفينة، دون أن تفقد العزم والقوة.
ومن ثم تصاب باليأس والإحباط. والصورة التي تنقلها إلينا، هي تسجيل حي لما رافق لحظات الانقضاض على السفينة. فلقد لفتها رباطة جأش النسوة في الأسفل، حيث» كن هادئات بشكل يثير الإعجاب، يساعدن بعضهن البعض في ارتداء السترات، منهن من يتلو القرآن، منهن من تصلي، منهن تتحدث عما يمكن أن يحدث».
ثم تنتقل في موضع آخر من شهادتهــا، لتكتـــب عن تصرفـــات البعض تجـــاه هذا الحــدث المفاجئ، عن الجرحى والقتلى الذين سقطـــوا من جراء الهجوم، عن تجربة السجــن، وإبعــادها لاحقـــا إلى الأردن.
وفي شهادته التي أدرجت تحت عنوان «أنا مستعد لتغطية الرحلة القادمة إلى غزة»، يستعرض عثمان البتيري، الاستعدادات التي تزامنت مع إبحار السفينة «مرمرة»، ويتعرض لشرح عن هوية ركابها الذين يزيد عدهم على خمسمائة وثمانين شخصا »، معظمهم من الأتراك والعرب والمسلمين وعدد قليل من الغربيين». ويذكر عثمان أنه سبق له واشترك في رحلات كسر الحصار، واعتقل في آخر رحلة لمدة ستة أيام، وقد توقع بحكم تجربته « أن الإسرائيليين سيظهرون على الساعة الرابعة فجرا ثم سيلاحقوننا حتى نصل المياه الإقليمية لغزة، وعندها سيتم الاعتقال».
ويتابع البتيري في شهادته، تدوين وقائع الهجوم الذي تعرضت له السفينة، الذي أفضى إلى صعود الإسرائيليين، إلى السفينة، بعد مقاومة الركاب لهم، والتي انتهت بسقوط تسعة قتلى، وجرح أكثر من أربعين آخرين. وفقدان أموال تقدر بالملايين. ويعتبر علي صبري دنون، في سياق شهادته، التي تقاسم فيها مع ما سبق من شهادات، رواية يوميات الهجوم، أن هذه الرحلة تاريخية، سواء من حيث الإعداد، أو الحشد البشري والمادي، أو الوقائع العسكرية، وأيضا التغطية الإعلامية الواسعة لهذا الحدث، وأخيرا بنتائجها التي وضعت إسرائيل في زاوية حرجة أمام الرأي العام العالمي.
وخاتمة الشهادات بعنوان «لماذا غضت بعض وسائل الإعلام الكبرى الطرف عن إسرائيل؟» يأخذ فيها جمال الشيال على المؤسسات الإعلامية الغربية، عدم اهتمامها بتغطية الحدث، ورفضها إيفاد أي من مراسليها على متن الأسطول «باعتبار أن ذلك يمثل نوعا من التحيز. وكان التبرير هو عدم وجود أسطول مضاد من إسرائيل لإعطاء بعض التوازن في الموضوع».
الكتاب: أسطول الحرية.. وقائع اعتداء
مبرمج / شهادات طاقم «الجزيرة» في أسطول الحرية
تأليف: محمد فال، وسيمة بن صالح، عثمان
البتيري، علي صبري دنون، جمال الشيال
تقديم وإعداد: إبراهيم هلال
الناشر: الدار العربية للعلوم ومركز الجزيرة للدراسات
2011 الصفحات: 1010 صفحات
القطع: المتوسط
