يرى مؤلف الكتاب، الباحث جاد الكريم الجباعي، في قراءته لتحولات الواقع العربي في مرحلة ما بعد الاستقلال وظهور المشاريع السياسية العابرة للوطنية بمسمياتها المختلفة: القومية والاشتراكية والإسلامية، يرى أن هزيمة حزيران شكلت نهاية لتلك المرحلة، مقدما نموذجا في ذلك في دراسته للتجربة السورية، حيث يطرح منذ البداية مجموعة من الأسئلة التي تتعلق بواقع تلك الثورات التي قامت في تلك المرحلة، باعتبارها تشكل مفتاحا لفهم أسباب هزيمتها وفشلها في تحقيق أهدافها، وانتهائها إلى مجموعة من الأنظمة الشمولية والاستبدادية، في حين كان المشروع الوطني الديمقراطي هو الغائب الأكبر، لأسباب تتعلق بموقف القوى السياسية والنخب الثقافية من فكرة الدولة عموما، ومن الدولة القائمة خصوصا، مما صادر المشروعية السياسية والأخلاقية لتلك القوى التي اعتبرت الدولة القطرية، نتاج مشروع استعماري أو خطأ تاريخي يجب تصحيحه. وانطلاقا من هذه التصورات يحاول الباحث أن ينطلق في تحليلاته لكشف الخلفيات الثقافية والتاريخية في دراسته لتلك التجربة، والتي لم يكن فيها مفهوم الدولة الذي لم يتعد مفهوم السلطة، ما جعل الحراك السياسي والثقافي الذي شهدته سوريا في مطلع الألفية الثانية يتركز على مجموعة مطالب، تشكل جزءا من رؤية وطنية ديمقراطية، يعيد طرحها للحوار بوصفها قضايا ومشكلات تحتاج إلى التفكر الجماعي بها، والعمل معا من أجل بلورة تلك الرؤية، مع التأكيد على العلاقة المنطقية والواقعية والتاريخية بين المسألة الوطنية والمسألة الديمقراطية، باعتبارهما وجهين لعملة واحدة. ويخصص المؤلف القسم الأول من الكتاب لدراسة الإطار النظري لإطروحاته، وفي مقدمها قضية الديمقراطية التي تمثل مضمونا للدولة الوطنية التي يحاول أن يقدم تعريفا لها، بالإضافة إلى تعريف المفهوم السياسي الحديث للشعب لكي يصل إلى تحديد العلاقة الضرورية بين الدولة والمجتمع والديمقراطية والحداثة. وبعد تعريفه لكل من مفهومي الوطنية والديمقراطية يتناول الباحث العلاقة بينهما، معتبرا أن الديمقراطية ليست صفة مقحمة على الوطنية من خارج سياقها، لأنه المضمون الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي والأخلاقي، ما يجعل الديمقراطية هي مضمون الدولة الوطنية، الأمر الذي يجعل من غير الممكن الفصل بينهما. في ضوء ذلك يرى أن المشروع الوطني الديمقراطي في سوريا يتطلب تحقيق مجموعة من الأهداف، في مقدمتها نشوء أحزاب سياسية تستمد قوتها ونفوذها من عدد ناخبيها، وليس من عدد أعضائها، ومن برامجها السياسية ورصيدها السياسي والأخلاقي. كما يناقش المؤلف موضوع الدولة الشمولية، محددا الأركان الثلاث التي تقوم عليها، وهي الإرهاب الذي تتمثل أدواته في الأجهزة العسكرية والأمنية، والأيديولوجيا، والإعلام المضلل. ثم ينتقل لبحث العلاقة بين السياسة والفنون، حيث يرى أن السياسة بسبب خلوها من العنصر الأخلاقي حتى الآن، لم تستطع أن تنتج روائع فنية. وإذا كانت السياسة هي قدر الكائن الإنساني فليس هناك سوى الأمل في إنتاج علاقة صحيحة بين الفكر والأخلاق والسياسة، وهذا يستدعي إعادة تعريف السياسة بأنها وظيفة اجتماعية وأخلاقية ملازمة للمواطن، تحددها جملة من الحقوق والواجبات والالتزامات الملقاة على عاتقه، بوصفه عضوا في جماعة سياسية. ويخلص الباحث إلى نتيجة، فحواها أنه طالما كانت السياسة وظيفة ملازمة للمواطن، فإن هذه الوظيفة تتطلب بشكل أساس، تمكين المواطن من الدفاع عن حقوقه وحريته، وقدرته على تحسين شروط حياته، وهذا يستدعي وجود أطر أو تنظيمات جماعية ومجتمعية يعمل من خلالها. وكذلك يتحدث عن السمات الأساسية للمعارضة الفاعلة. وبعد أن يحدد شروط التي يجب توفرها في المعارضة الوطنية، يطالب المؤلف بضرورة وحدة جميع قوى المعارضة على رؤية وطنية ديمقراطية، لأن الوحدة الوطنية لا تقوم إلا على ما هو عام ومشترك بين جميع أفراد المجتمع على اختلافهم. كما يجعل من الإنسانية أساسا للوطنية ورافعة لها طالما أن الإنسان هو جوهر الفرد الطبيعي. ويشير الجباعي إلى أن الانتقال السلمي إلى الديمقراطية، كما يراه، يقتضي العلانية والشفافية، سواء من حيث الأهداف والتوجهات أو الأساليب والأدوات ومصادر التمويل. ومن الشروط الأخرى لنجاح هذا الانتقال، العمل على كسب ثقة المجتمع وتعاطفه، باعتباره مدخلا ضروريا لمشاركة مختلف الفئات، ولكي يتحقق هذا الهدف يحدد مجموعة من الصفات التي يجب أن تتحلى بها تلك التنظيمات والشخصيات الوطنية. وينتقل المؤلف في القسم الثاني من الإطار النظري إلى الإطار الاستراتيجي لمشروع الانتقال إلى الديمقراطية، والذي يتطلب منه تحديد مصادر قوة كل من السلطة الشمولية والمعارضة، ونقاط ضعفهما كمدخل لتحديد شروط الانتقال، وفي مقدمها المنافسة السياسية والعمل على تعديل ميزان القوى، إضافة إلى ضرورة التخطيط الاستراتيجي، ذلك لأن الإيمان بالأهداف لا يكفي وهي لا تتحقق بفعلها. وهنا يكشف الجباعي عن معوقات التخطيط الاستراتيجي ومفاهيم هذا التخطيط، إلى جانب رسم ملامح عامة لاستراتيجية سير النضال الديمقراطي بعد التقويم الموضوعي للواقع، مع الإشارة إلى ضرورة تغيير تلك الاستراتيجية عندما يجد المخططون أن هناك أدلة كافية على فشلها، أو في حال تغير الظروف الخاصة بالنضال، بصورة كبيرة.
الكتاب: طريق نحو الديمقراطية
تأليف: جاد الكريم جباعي
الناشر: رياض الريس
للنشر ــ بيروت
0102الصفحات: 278 صفحة
القطع: المتوسط
