تشكّل شبكة الانترنت، باعتبارها ثمرة من ثمرات الثورة الرقمية، أحد وسائل الاتصال الأساسية بين الشباب اليوم. إنهم يستخدمون الرسائل النصيّة ومواقع «الويب» والتحادث «الإلكتروني» والعديد من السبل الأخرى للاتصال «المستمر» مع أصدقائهم أو من أجل اكتساب أصدقاء جدد.
وإذا كانت وسائل الاتصال هذه أمرا «إيجابيا» مبدئيا، فإن لها وجهها الآخر إذ تتعاظم ظاهرة استخدامها من قبل أعداد من المراهقين من أجل «فرض سيطرتهم» وممارسة ما تُطلق عليه اليوم تسمية «التحرّش الرقمي». والأستاذة الجامعية في كندا، شاهينا شريف، تقدّم كتابا حول هذه الظاهرة تحت عنوان: «مواجهة التحرّش الرقمي» وتعالج فيه: «ما ينبغي أن تعرفه المدارس لاحتواء الظاهرة وتجنّب النتائج المترتبة عليها».
أحد المحاور الأساسية في هذا الكتاب يخص البحث في «الفراغ السياسي» البارز أكثر فأكثر حول «الحدود القانونية والأخلاقية» للتعبير عبر شبكات الانترنت والحقوق المتعلقة بالحياة الخاصة وبالإطار المدرسي. كذلك تتم دراسة استخدام المراهقين، من فتيان وفتيات، للتواصل عبر الانترنت ودور «الشبكات الاجتماعية» ووسائل الإعلام المستخدمة فيها، بالمساهمة في صياغة «هوية» المراهقين المعنيين.
إن هذا الكتاب موجّه بالدرجة الأولى إلى الجامعيين والمربّين وأصحاب القرار ولجميع أولئك المعنيين بـ«مواجهة» كل أشكال «الاعتداءات» الرقمية الجديدة ولمناهضة كل أشكال الرقابة عبر استخدام الهواتف الخليوية وتكنولوجيات الانترنت المتنوعة. ويتم التأكيد أن هناك اليوم «تراجعا» فيما يخص مسؤوليات المعنيين عندما يتم استخـــدام مختلــــف آليات «التــحرّش» خارج ساعات الدراسة وخارج إطار الحرم المدرسي وحيث يلجأ المراهقون إلى استخدام حواسيبهم وهواتفهم النقّالة الخاصة.
وتتم دراسة هذه الظاهرة وسبل «مواجهتها» على ضوء إجابات الجهات الرسمية «الغربية» عليها، وكذلك على ضوء الأطر القانونية ومواثيق حقوق الإنسان وقوانين حماية الطفولة. هذا كله في منظور الوصول إلى حالة من «التوازن» لدى الشباب ومساعدتهم على ممارسة حرية التعبير بطريقة مسؤولة ومأمونة وتحقق أجواء التعلّم الصحيحة.
كما يتم التأكيد أن أولئك الذين يريدون ممارسة «التحرّش» الرقمي يفضّلون بالطبع فعل ذلك بعيدا عن معرفة البالغين. و«الشبكة العنكبوتية» هي «الوسيلة المثالية، للاتصال بأي كان وفي أي مكان وزمان. هكذا لا يغدو المنزل ملجأ حقيقيا لأولئك التلامذة الذين يريدون الهروب من «قسوة» بعض زملائهم في المدرسة.
وتؤكد المؤلفة على أن كون «الانترنت» يؤمن قدرا كبيرا من «السريّة» بالنسبة لمستخدميه، يدفع المراهقين والشباب إلى الإحساس بتمتعهم بـ«هامش حرية» كبير مما يدفعهم إلى القيام بممارسات «انترنوتية» لا يتجرأون على القيام بها في الحياة الحقيقية. هذا ولا يترددون إذا جرى الكشف عن «هويتهم» بالتعلل أن «أحدهم سرق كلمة السر». وبشكل عام يساعد إحساسهم عامة أنهم بـ«منجاة عن العقاب» وتضاؤل الخوف من تقديم البراهين على أنهم «مذنبون»، على «التمادي» أكثر في «تحرّشهم» بزملائهم أو حتى أساتذتهم، وصولا إلى الشتائم والسباب والتهديدات المباشرة.
وتحدد المؤلفة أنواعا مختلفة من «التحرش» عبر الانترنت. ويكون غالبا عبر تعليقات «حاقدة» تستهدف شخصا معينا. وهذا يتم غالبا أيضا تحت أسماء مستعارة عبر استخدام «كلمة سر» لمستخدم آخر تجري سرقتها. بل إن الأكثر خبرة بالتكنولوجيا الرقمية قادرون على خلق موقع «ويب» حقيقي تتم حمايته بكلمة سر من أجل مهاجمة بعض التلامذة والمعلمين.
تتم الإشارة إلى أن بعض أشكال «التحرش» بواسطة الشبكة الرقمية يطالها العقاب القانوني. وينص القانون الجنائي الكندي على أن الاتصال المتكرر بشخص ما بقصد دفعه للخشية على أمنه أو على أمن أقربائه والمقرّبين منه يمثّل «فعلا إجراميا». ونفس الاتهام يتم توجيهه حيال نشر أية أخبار أو تعليقات تستهدف الإساءة لأحدهم أو التعرّض لسمعته أو احتقاره أو تعريضه لسخرية الآخرين. ويمكـــن «للتحرّش» عبر شبكة الانترنت أن يُعتبر خرقا للقانون إذا كان الغـــرض منه هــو نشـــر الحقد أو التمييز العنصري أو القومي أو الاتني، أو حتى الإشارة إلى العاهات الجسدية أو العقلية.
ما يتم التأكيد عليه في المحصلة هو ضرورة أن لا يبقى الأهل خارج «دورة» استخدام أبنائهم لشبكات الانترنت والنقاش المستمر «الودّي» معهم، والمحافظة على الحذر مع تشجيع الأطفال على أن يطلعوهم على أي «تحرّش» يتعرضون له، وخاصة المحافظة على الهدوء، إذ أن «انفجار الغضب» لن يساعد الأطفال على طلب المساعدة في الوقت الذي يحتاجون إليها.
والمدرسة عليها أن تُدرج في البرامج نشاطات تتعلّق بمكافحة «التحرّش» والتأكيد على خطورته المسلكية والقانونية، وتبنّي «سياسة استخدام الانترنت»، وهذا ما ترى به المؤلفة عصب كتابها، كما يدل عنوانه الفرعي: «ما ينبغي على المدرسة أن تعرفه».
الكتاب: مواجهة التحرّش عبر الانترنت
تأليف: شاهين شريف
الناشر: المعهد الفرنسي للآثار الشرقية
الصفحات: 296 صفحة
القطع: المتوسط
Confronting cyber bullying
Shaheen Shariff
Cambridge University Press- 2009
296 p.
