تتباين آراء الأميركيين أنفسهم حول تاريخ قيام الولايات المتحدة كأمة مستقلة. البعض يحددون ذلك التاريخ بإعلان الاستقلال عام 1776، ويجده آخرون في معركة «كونكورد» عام 1775، وقد يجيب البعض أنه يتحدد واقعا في انتصار عام 1781. في مواجهة هؤلاء كلهم يؤكد المؤرخ المختص بالتاريخ الأميركي ت. هـ. برين أن قيام الأمة الأميركية «واقعيا» يعود إلى قبل هذه التواريخ ويحدده في الفترة الواقعة بين ربيع وخريف عام 1774. هذا في كتابه الذي يحمل عنوان «متمردون أميركيون ووطنيون أميركيون».
وإذا كان المؤرخون يلتقون على التأكيد على الدور المركزي الذي لعبه «الآباء المؤسسون» للأمة الأميركية، فإن ت. هـ. برين ، مؤلف هذا الكتاب، يسوق جملة كان قد قالها أحد هؤلاء الآباء المؤسسين هو جون ادامس وجاء فيها «إن الثورة قامت فعليا قبل أن تبدأ الحرب»، ويقصد حرب الاستقلال. وبهذا المعنى يؤكد المؤلف على ضرورة تصحيح فكرة شائعة مفادها أن الثورة الأميركية كانت نتاج الجهود الفكرية لـ«المثقفين». ويضع في المقدمة ما قام به من يسميهم بـ«المتمردين» من سكان الولايات الثلاثة عشرة التي كانت قد انتفضت ضد الاحتلال البريطاني قبل أشهر من اندلاع حرب استقلال بل أنهم كانوا «الشرارة» الأولى التي أشعلت نار الثورة.
ويشرح المؤلف أن الأسباب التي دعت تلك الجموع «الشعبية» إلى التمرد تمثّلت خاصة في الضغط المستمر الذي قامت به الإمبراطورية البريطانية التي كانت تطالبهم بقدر أكبر من الولاء لها بينما كانت تزيد أكثر فأكثر من فرض الضرائب عليهم. ويحدد المؤلف سببا آخر يقوم على خلفية إيمانهم العقائدي لرد الظلم والتطلع للحرية.
من هذا كله كان تصميمهم على المقاومة سابقا على تصميم» قادتهم المشهورين». وكانت نقطة الانعطاف الحاسمة باتجاه الثورة هي في معركتي لكسينغتون و«كونكورد» في شهر أبريل-نيسان من عام 1775 حيث كانت الأصداء مباشرة وعامة في الـ13 مستعمرة بفضل منظومات فعاّلة من وسائل التواصل.
ويتم في هذا السياق تحديد القول أن الأشهر الواقعة بين ربيع عام 1774 وخريف نفس السنة كانت حاسمة حيث قام «شعب» المستعمرات الثلاثة عشرة بتنفيذ «عدة مراحل» من المقاومة كان «الآباء المؤسسون والقوات النظامية» بعيدون عنها تماما. هؤلاء «لحقوا» بحركة عامة عبّرت عن نفسها بعدة «تمرّدات شعبية» قام بها أشخاص من عامة الناس في البلدات الصغيرة والأرياف. وهم الذين يطلق عليهم المؤلف تسمية «المتمردين» و«حملة القضية» و«منظمي المظاهرات». وهذا كله شكّل «الحالة الجنينية» في ولادة الأمة الأميركية.
ولا شك أن هذا العمل يقدّم رؤية جديدة تؤكد، على عكس التيار السائد، أنه لا ينبغي اختزال «الآباء المؤسسين» للأمة الأميركية إلى قائمة الأسماء المشهورة ممن وقّعوا «بيان الاستقلال» أو قادوا المعارك أثناء حرب الاستقلال. بل ينبغي «الاعتراف» بعدد أكبر جدا من «الآباء والأمهات» المؤسسين. ذلك عبر التنقيب في العمق الاجتماعي الكامل لأصول الثورة وتبيين حقيقة أن «أغنياء وفقراء» و«أحرارا وعبيد» قد ساهموا في تمهيد الطريق أمام إمكانية قيامها. إن الكثير من الناس «المجهولين» كانوا قد أعلنوا رفضهم قبول الهيمنة البريطانية وحددوا مطالبهم الصريحة بالاستقلال قبل الوثيقة الشهيرة التي أعلنها «توماس جيفرسون».
الفكرة الأساسية إذن في هذا الكتاب والتي يحاول المؤلف البرهنة عليها فيما يزيد على 300 صفحة مفادها أنه «قبل الثورة ــ الأميركية ــ كانت هناك انتفاضة. وقبل أن يكون هناك مواطنون أميركيون كان هناك متمردون». وهذا يقتضي نوعا من «إعادة النظر» بالأصول الوطنية السياسية للأمة الأميركية ذلك أن «أغلبية الأميركيين» لا يدركون حقائق المسار الذي أدّى إلى قيام الولايات المتحدة الأميركية لتصبح اليوم القوة الأولى في العالم.
كان لا بد أوّلا من ثورة في العقول والقلوب، قبل نشوب الثورة على الأرض «كما يتم تعليمها ومناقشتها وفهمها» اليوم. هكذا قبل عامين من «إعلان الاستقلال» عام 1776 كان هناك متمردون أميركيون يقاومون «بصورة عفوية» أولا ثم بصفتهم «أعضاء في لجان محلية للأمن». تلك اللجان تطوّرت لتصبح «مدارس الثورة»، حسب تعبير المؤلف. أولئك المجهولون في التاريخ الأميركي اليوم تحوّل غضبهم وإحساسهم بالظلم إلى «بدايات حركة مقاومة حقيقية» دون عناء التفكير بـسنظريات سياسية مجرّدة». «الوطنيون» الأميركيون من دعاة الاستقلال «استفادوا من المتمرّدون الذين بدؤوا الانتفاضة» وصاغوا، أي «الوطنيين» ما يسميه المؤلف «مونتاج الثورة».
وقد استفاد المؤلف من مختلف «الأراشيف الأميركية» وكتابات الصحف» أثناء فترة الأحداث والمراسلات. وعلى أساس هذا يؤكد أن «الأوضاع الاجتماعية الدقيقة» جعلت «المزارعين يتبنون موقفا سياسيا أكثر جذرية ــ راديكالية ــ من أعضاء المجالس الإقليمية والمجلس العام على المستوى الأميركي ممن كان الشعب قد انتخبهم». يتم التأكيد هنا على أهمية قراءة «ولادة الثورة» على الصعيد المحلي قبل قراءتها على ضوء «القيم النبيلة» لبيان الاستقلال.
في المحصلة، يجد القارئ أمامه نوعا من المرافعة عن «مجموعة من الأفكار التي قامت على أساس الفعل وليس التأمّل الفكري»، ودعوة لإعادة الاعتبار إلى «الآباء والأمهات المؤسسين» المغمورين في التاريخ الأميركي الرسمي.
الكتاب: أميركيون متمردون أميركيون وطنيون
تأليف: ت. هـ. برين
الناشر: هيل ووانغ نيويورك 2010
الصفحات: 352 صفحة
القطع: المتوسط
American insurgents, American patriots
T. H. Breen
Hil and Wang- New York- 2010
352p.
