تؤكد الباحثة أسماء يحيي الطاهر، في بحثها، على انه هناك اختلاف تقني ومضموني جوهري بين الرواية والمسرح. وتنطلق من أسس هذه القاعدة لتناقش إشكالية مهمة، وهي : لماذا رغم وجود هذا الاختلاف التقني يلجأ كتاب المسرح إلى الرواية مع اختلافها عن المسرح؟ وما الذي يحدث عند تحويل الرواية- وهي بناء سردي- إلى نص مسرحي يقوم على الفعل؟ وكيف تتم عملية التحويل؟ وتتناول هذه الدراسة ظاهرة مسرحة الروايات في المسرح المصري في الفترة من 1996 إلى 2005.
وتبين المؤلفة أنه كان المؤلفون المسرحيون في أثناء مرحلة الستينيات من القرن الماضي، لا يتعدون العشرة، وهم: توفيق الحكيم، ألفريد فرج، ميخائيل رومان، محمود تيمور، يوسف إدريس، نعمان عاشور، علي أحمد باكثير، سعد الدين وهبة، عبد الرحمن الشرقاوي، رشاد رشدي. وبذا لم يكن الإنتاج يكفى حاجة السوق المتزايدة، حتى مع ظهور مجموعة أخرى من المؤلفين في منتصف الستينيات، أمثال:
نجيب سرور، شوقي عبد الحكيم، صلاح عبد الصبور، محمود دياب، علي سالم. ومن هنا كانت الحاجة ملحة إلى ظهور جيل من المؤلفين «أو المعدين» المسرحيين الذين اعتمدوا على الرواية كمصدر لكتابة نصوصهم. وتوضح المؤلف انه قد انهال المعدون الجدد، على أعمال أشهر الروائيين في ذلك الوقت، وفي مقدمها أعمال نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وعبد الرحمن الشرقاوي. وبرزت أسماء هؤلاء المعدين، وكان أشهرهم: أمينة الصاوي وأنور فتح الله وفيصل ندا وفؤاد شريف ونعيمة وصفي وفايز حلاوة ومحمد عناني وسمير سرحان.
وتلفت الطاهر إلى أن سبب الظاهرة، آنذاك، هو في الحقيقة، كثرة الطلب على النصوص المسرحية بسبب زيادة عدد الفرق من ناحية، وقلة عدد الكتاب المسرحيين المتخصصين في الكتابة للمسرح من ناحية أخرى. إلى جانب أهمية بعض الروايات في ذلك الوقت. وتضيف الطاهر: «انحسرت هذه الظاهرة «مسرحة الرواية»، مع توقف مسرح التليفزيون، وانخفاض الإنتاج المسرحي بشكل عام بعد نكسة 1967، ثم ظهر عدد من المؤلفين في فترتي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، مثل يسرى الجندي، أبو العلا السلامونى، نبيل بدران، سمير سرحان، محمد عناني، عبد العزيز حمودة، فوزي فهمي.
ولكن لم يكن إنتاجهم غزيراً، لانشغال بعضهم بكتابة دراما تليفزيونية مع توسع الإنتاج التليفزيوني مرة أخرى، أو لانشغالهم بمناصبهم الأكاديمية أو الحكومية، ثم تبعهم جيل جديد كبير العدد من المؤلفين الشباب، خاصة مع التوسع في إنشاء المسارح الحكومية والخاصة، وازدهار مسرح الأقاليم التابع لهيئة قصور الثقافة». ومن ثم تعود المؤلفة لتؤكد على أن مسرحة الرواية عادت إلى الظهور مرة أخرى بشكل واضح ومتزايد، منذ بداية التسعينات في القرن الماضي، وحتى يومنا هذا، فأصبحت تشكل فرعاً هاماً من أفرع الإبداع المسرحي يستوجب التوقف لدراسته ملياً.\
وان تلك العودة الواضحة تثير التساؤل حول أسبابها، ومن ذلك : هل يرجع الأمر إلى نضوب في الأفكار لدى كتاب المسرح فلجؤوا إلى عالم الرواية المليء بالأفكار الجديدة والتي تتصل بمجتمعنا المصري كبديل عن لجوئهم في السابق إلى الأعمال الغربية، ومحاولة تطويعها لتلائم مجتمعنا (التمصير)؟ أم هل كان للمسرح التجريبي الذي يقام منذ ثمانية عشر عاماً، دوراً لظهور الحاجة إلى استخدام تقنيات مسرحية جديدة لم تستوعبها النصوص المسرحية المصرية التي مازالت تدور في فلك التقاليد الكلاسيكية، سواء على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون.
فلجأ بعض الكتاب إلى مسرحة الرواية متضمنين في كتاباتهم التقنيات المسرحية الجديدة على مستوى الشكل؟ وتتطرق المؤلف أيضا زاوية أخرى في هذا الخصوص، وهي ناحية الكتابة، موضحة أن مسرحة الرواية تثير التساؤل حول التقنيات المستخدمة فيها: «ما هي، لماذا، كيف؟»، فإن اختيار الكاتب المسرحي لعناصر ما من الرواية وإغفاله لعناصر أخرى، له أسباب.
وبناءه لتلك العناصر بشكل معين له أسباب أيضاً، إذ إن هناك فارقاً، لا شك، بين الرواية والمسرحية، ففي حين يعرف أرسطو المأساة بأنها محاكاة لفعل تام جاد،أي أن المسرح فعل، نجد أن الرواية تقوم على السرد لا الفعل. وفى حين أن الرواية يقوم بكتابتها شخص بمفرده، ويقرؤها شخص بمفرده، نجد أن النص المسرحي يكتمل وجوده عندما يعرض على خشبة مسرح، ويتفاعل بشكل حي ومباشر مع الجمهور .
كما أنه- حسب المؤلفة- «كل اللحظات في المسرح آنية، تحدث الآن.. والمسرح كذلك لأنه حي (بالمحاكاة)، وحياته ناتجة عن أن لحظاته، التي تتحقق بواسطة شخصيات تنفعل: وتتكلم، وتتحرك، وتتخذ قرارات خاطئة أو صحيحة في حضورنا، وليس عن طريق الحكي (السرد)، والغائر في الوجدان البشرى أن الحكي لا يكون إلا عن شيء حدث وانتهى، ولو من لحظات قليلة».
