يستهل مؤلف الكتاب، إيهاب قاسم، مناقشاته، بالإشارة إلى إن أسئلة البحث في جدلية هذه الإشكالية العلمية، ورغم أنها الأسئلة تبدو أكاديمية وعميقة، فإن إجاباتها جاءت بسيطة وبديهية، تذكرنا فقط بما نعرف وتتساءل في براءة. ويقول في هذا الصدد: هل نحن مصريون حقا وصدقًا، ننتمي لحضارة مصر وتاريخها وأرضها؟».
وتأتي الإجابات هنا مفعمة بحب الوطن لدى الكاتب. وأيضاً مشبعة بهموم مستقبل شعبه، ومكانة الأمة التي ينتمي إليها ودورها بين الشعوب الأخرى، وهي هموم لا يخلو منها قلب محب لهذا الوطن. وبمنتهى البساطة يستعير الكاتب، قاسم، جملة «هذيان» من الفنان فؤاد المهندس تقول: أنا مين؟ أنا فين، أنا إزاي، أنا بكام؟ وطبقا لما أشير إليه، فإن هذه الجملـــة الهذيانيـــة من أحد أفلام الفنــــان فؤاد المهندس، تضعنا مباشـــرة أمـــام طبيعـــة هذه الكتابـــة التي لا تتقعر ولا تتفلسف، ولا تتبـــاهى بكــم المراجع التي استندت إليها، بل هي كتابـــة تخـــرج من القلـــب مباشـــــرة، فالأوجــــاع التي تقف أمامهـــا لا تحتـــاج إلا النظر المباشر والحس السليم والعقل الواعي المتفهم لظروفه.
والذي احتك بحضارات أخرى ليبدأ بعقد المقارنة، كما تحتاج إلى الإدراك العميق لخطورة من يخلطون بين الوطن والدين، أو الذين يتشدقون بقوله «إن الدين وطن» فينتهي بهم الأمر إلى مقولة مفزعة ومخرِّبة، بل هي خيانة عظمى، هي مقولة استهتار وانتقاص من مصر، وتجريح تتضمن سبة بحقها.
وفي الفصـــل الأول: دعـــوة للتناغــــم، يقف الكاتـــب أمـــام حضــور الآثــــار المصريـــة في كل متاحف العالم، ويتأمل المفارقة القائلة بأن التماثيـــل حرام، ليدخل منها مباشرة إلى فحص مقولة إن الإسلام عدو الحضــارة، مع أنه في أي مكان آخر في العالم يعمل المسلم والمسيحي والبوذي والسيخي في شركة واحدة دون أن يسأل أحدهم عن ديانة الآخر، ليطــرح السؤال الشائك. وهو: كيف يمكن أن تتناغم الأديـــان الإبراهيميـــة مع بعضها البعض. ومع الحضارة الإنسانية؟ فكل الأديان والحضارات تتفق في النهاية أمام حقيقة واحدة، وهي الإنســـان وسعادتـــه ورضـــاه، فالإيمـــان الصحيح ــ كما يقول المؤلف ــ هـــو إيمان بالحق والعـــدل والخـــير والســـــلام لكل خلق الله، والأوامر الإلهية في التفكر والتدبر والسعي، هي في ذاتهـــا الدافع الأساس لتحقيـــق حضارة إنسانية متطورة ومستمرة، كما أن الحريـــة فكرة أساسية سعت إليها كل الأديان، وهنا فإن العلوم والفنـــون والآداب هي في حد ذاتها وسائـــل إنسانيـــة للوصول إلى الحق والخير والجمال، وعليه لا معنى لفكرة القتل باسم الإله، التي يؤمن بها كل متطرف.
وفي مبحث «من الأصولية ما قتل»، يتأمل المؤلف ملامح الفكرة الأصولية التي تتلخص في كراهيــــة الآخر ورفضـــه، والتبشير باقتراب يـــوم القيامـــة وعلامـــات الساعــة، حتى أن بعض المصريين يؤمنـــون بأن حياتهـــم تبدأ فور النزول إلى القبر، وكذلك من ملامح هذه الأصوليــــة التفسير الديني للعلم وتدني مكانة المرأة. ويطرح الفصل الثاني في الكتاب، والمعنون بــ«مربط الفرس»، مجموعة من الأسئلة، مثل: لم إذا كانت مصر في وضع أفضل من ما أصبحت عليــه؟ ولم إذن تبدو مشكلاتها بلا حلول؟ ولم إذن تضيع جهودنا هباءً ولا نشعر بتقدم مهما بذلنا من جهد؟ وأيضـــا لم إذن بتنا نتقاتل مع بعضنا البعض على أتفه الأسباب، غـــير عابئين بتأثـــير ذلك على وطننا ومستقبلنا ومستقبل أولادنا؟ ولم إذن باتت مشكلاتنا مثل الدائرة المفرغة نلف حولهــــــا وندور بلا نتيجــــــة؟ وهو فصل يقف بشكل عام أمام فكرة الهوية وتعريفاتها وروافدها ومصـــادرها وأهميتها في استقرار الأوطان وبناء مستقبلها. وأما الفصل الثالث «حدوتة مصرية»، فيقف طويلاً أمام سحر الحضارة المصرية. ويصدره الكاتب بمقولة «مايكل رايس»:
لم تأت مصر من فراغ، ولم تكن وليدة مصادفة أو مجرد لحظة إبداع، ولكنها كانت بناء فلسفيًّا جعل من الوطن فكرة ينتصر بها الفرد على هشاشته وعمره الموقوت، ويتصالح بها مع حتمية نهايته من خلال دوام واستمرار هذا الوطن.. مصر. ولجأ المؤلف إلى فكرة ذكية جدًّا حينما وضع صورتين معبرتين عن الحضارة، إحداهما للشيخ الطنيخي، شيخ الأزهر، وهو يستقبل وفدًا من الطالبـات في صحن الجامع الأزهر وهن سافرات، دون أن يطرح أحد فكرة الحجاب أو النقاب. وفي الفصل الرابع والأخـــير، بعنوان:«البداية». يضع الكاتب فيه مصر بين نقطتي حرب أكتوبر وارتفاع علم مصر على خط بارليف، وبين يناير 2010، حينما امتلأت الشوارع بعلم مصر، احتفــالاً بفوزها بكأس الأمم الأفريقية للمرة الثالثة، على التـــوالي ليتـــأمل توهــــــج فكـــرة الوطنيـــــة لدى المصريين، عبر تاريخهــــم حتى في اللحظـــات الحالكــة، ليحـــاول طرح نقطـــة بداية ودعـــوة للتناغــم والأمل في المستقبل.
الكتاب: الأولة مصر.. عن هوية ومستقبلها
تأليف: إيهاب قاسم
الناشر: الدَّار المصرية اللبنانية ــ 2010
الصفحات: 190 صفحة
القطع: المتوسط
