حققت مسيرة التوحيد الأوروبي خطوات هامة على صعيد التقريب بين مؤسساتها وقوانينها خلال العقدين المنصرمين. وكان تبنّي عدد هام من دول الاتحاد الأوروبي للعملة الأوروبية الموحّدة «اليورو» خطوة كبيرة على طريق التكامل الاقتصادي الأوروبي. لكن هناك ميادين لا تزال تسير فيها أوروبا بـ «خطوات خجولة»، كما تعبّر وزيرة العدل الفرنسية السابقة اليزابيت غيغو وتقصد بالتحديد النهوض الاقتصادي و«العدالة» بالمعنيين الاجتماعي «القانوني»، وهي تكرّس كتابا لهذا الموضوع تحت عنوان «من أجل أوروبا أكثر عدالة».

وتقوم المؤلفة- الوزيرة السابقة أولا بتوصيف الوضع الأوروبي على صعيد العدالة والقضاء وبالتالي على صعيد التعاون الأمني وهي تؤكد أن الاتحاد الأوروبي يجد نفسه أمام «ورشة كبيرة» في الحالات المعنية وأن أوروبا لم تنجز خلال الخمسين سنة الأخيرة سوى تقدم قليل جدا في ميدان العدالة والقضاء وما يتفرّع عنه.

وتحدد عددا من الملفات الساخنة التي تعود إليها على مدى صفحات الكتاب ترى أنه من الضروري والملحّ الشروع بالبحث جديا في سبل تنسيق السياسات الأوروبية فيها. وعلى رأس هذه الملفات «مكافحة تبييض العملات» و«تنسيق الإجراءات الخاصة بحق اللجوء» و«الوصول إلى سياسة أوروبية مشتركة للهجرة» و«إنشاء محكمة أوروبية» حقيقية و«العمل على تكامل إجراءات الزواج والطلاق بين مواطني البلدان الأوروبية»، الخ.

تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب يأتي بصيغة حوار بين المؤلفة والصحافية «فيرونيك اوجيه» التي سبق له وأعدّت عدة برامج إذاعية وتلفزيونية عن أوروبا وهي الآن تقدم البرنامج الفرنسي الوحيد عن أوروبا على القناة التلفزيونية الفرنسية الثالثة تحت عنوان «شارع أوروبا».

وإذا كانت اليزابيت غيغو تؤكد في كتابها الجوانب العدلية والقانونية في أوروبا فإنها تؤكد بالتوازي ضرورة أن «تنهض» أوروبا اقتصاديا وتحقق درجة من النمو تسمح لها بالمنافسة على الصعيد العالمي. ولهذا تؤكد فكرة تأمين الموارد الأوروبية الضرورية، مثل «إطلاق قرض أوروبي كبير»، من أجل تمويل المشاريع التنموية الأوروبية على صعيد «مصادر الطاقة المتجددة» وغيرها. وتشير إلى أنه قد حان الوقت لتأسيس «مجموعة أوروبية للطاقة»، على غرار تلك المجموعة التي جرى إنشاؤها في خمسينات القرن الماضي لـ «الفحم والحديد». ما تؤكده المؤلفة هو أنه يمكن لأوروبا أن تنهض انطلاقا من مشاريع مشتركة «ملموسة» و«قادرة على تعبئة» الإمكانيات حولها.

ولا تخفي المؤلفة على مدى التحليلات التي تقدمها في هذا الكتاب أنها «أوروبية ذات قناعة راسخة بالمستقبل المشترك»، من جهة. لكنها قلقة حقيقة حيال ما يجري اليوم في أوروبا، من جهة أخرى. هذا على خلفية الإحساس أن هناك «تقهقرا للذهنية الأوروبية الجامعة» مع «عودة قوية إلى السياسات الوطنية» فيما يتعلق تحديدا بمعالجة الملفات الأوروبية.

وإذا كانت المؤلفة تؤكد على أهمية التنسيق بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وفي مختلف الميادين، وفي مقدمتها ميادين السياسات العدلية والقانونية والأمنية، فإنها تؤكد أيضا على «اللامركزية» في توزيع النشاطات الاقتصادية وغيرها. هذا بمعنى أن يتم تصنيع كل شيء محليا إذا كان يمكن ذلك. ولكن منذ اللحظة التي يتعلق فيها الأمر بمكانة أي بلد أوروبي، أو بمكانة أوروبا، في العالم ينبغي عندها، ودون أي تردد، الاعتماد على أوروبا.

ومن الأفكار الأساسية التي تتردد في هذا الكتاب، تأكيد المؤلفة أن هناك اليوم «تراخيا» في انتهاج سياسات أوروبية مشتركة. وتحدد القول أنه لم يتم أبدا حتى الآن منح أوروبا الإمكانيات التي تسمح لها بمواجهة «التحديات» التي تطرحها «البلدان الصاعدة» على أوروبا، وخاصة الصين. هذا «التحدي» تجده اليزابيت غيغو بمثابة «الكابح الرئيسي» لانطلاقة نمو اقتصادي هام في القارة الأوروبية.

وتشرح المؤلفة أنه لو كان الأوروبيون قد أنجزوا مشاريع مشتركة طموحة تؤمّن لهم قدرة على المنافسة في الأسواق العالمية، ذلك أن المسألة هي أولا مسألة قدرة على المنافسة، فإنه ما كان لأوروبا أن تكون في الموقع المتراجع الذي تحتلّه اليوم. وبهذا المعنى ترى أن أسباب التراجع تعود إلى فترة سابقة على اندلاع الأزمة المالية الاقتصادية العالمية الراهنة.

وتحظى العملة الأوروبية الموحدة «اليورو» باهتمام المؤلفة. وترى أنه من الجيّد والإيجابي أن يقوم الأوروبيون بـ «إطفاء الحرائق» التي تنشب بين الفترة والأخرى حول «اليورو»، وأنه تنبغي المتابعة في نفس المسار وتعزيز الإجراءات المالية المتخذة وخاصة وضع ‬750 مليار يورو في صندوق أوروبي لمواجهة الأزمات المحتملة. لكن بالمقابل تم الإشارة، بأشكال مختلفة، إلى غياب أي تنسيق حقيقي للسياسات الاقتصادية والضرائبية الأوروبية. ثم إن هذا التنسيق يمثل خطوة لا بد منها من أجل أي صيغة أكثر تقدما في طريق التكامل الاقتصادي وعلى صعيد الميزانيات في أوروبا.

وكتاب تقوم تحليلاته إجمالا على ركيزتين، الأولى هي تأكيد مؤلفته على أهمية مسيرة التكامل والتوحيد الأوروبية رغم ما تعترضها من مصاعب ومن تشكك حاليا. والثانية هي في تقديم مشروعها «من أجل أوروبا»، الغد: «أوروبا عادلة».

الكتاب: من أجل أوروبا عادلة

تأليف: اليزابيت غيغو

الناشر: شيرش ميدي - باريس- ‬2011

الصفحات: ‬185 صفحة

القطع: المتوسط

Pour une Europe juste

Elisabeth Guigou

Le Cherche Midi - Paris- 2011

581 pp.