تفتتح الكاتبة الأميركية «لورين ريدنيس» كتابها الذي يحمل عنوان «النشاط الإشعاعي» المكرّس لسيرة حياة ماري وبيير كوري، بالجملة التالية: «مع الاعتذار لماري كوري التي قالت ذات يوم: ليس هناك أية رابطة بين عملي العلمي وحياتي الخاصة».
وتشير المؤلفة أن هدفها الأول من هذا العمل هو أن تعيد للاهتمام العام سيرة حياة امرأة، كانت قد «ساهمت، إلى جانب زوجها بيير كوري، باكتشاف المواد المشعة وحصلت على جائزتي نوبل، لكنها اليوم غدت طي النسيان تقريبا».
وإذا كانت المؤلفة تعود لتقصّي الخطوات الأساسية في المسيرة العلمية لماري كوري وزوجها، فإنها تولي اهتمامها الأول والرئيسي للحديث عن مختلف أشكال النضال التي خاضتها ماري كوري من موقعها كـ«امرأة وأم وأجنبية ؟ بولندية الأصل- وأستاذة».
وتعتمد المؤلفة كثيرا في كتابتها لهذه السيرة على مصادر عديدة. ومن بينها مقابلات أجرتها مع رجال علم وأخصائيين في الأسلحة وفي مختلف الميادين ذات العلاقة بالمسار الذي مثّلت اكتشافات ماري وبيير كوري نقطة انطلاقه. كذلك قادها مشروع كتابها إلى هيروشيما لإجراء مقابلات مع بعض الذين بقوا على قيد الحياة بعد قصف المدينة بالقنابل الذرية عام 1945. ومن بين المقابلات التي تؤكد المؤلفة على أهميتها تلك التي أجرتها مع حفيدة ماري وبيير كوري في باريس.
وُلدت ماري ؟ ماريا سكلودوفسكا- في مدينة وارسو عاصمة بولندة. ثم هاجرت عام 1891 من بلادها إلى فرنسا حيث وجدت فرصة عمل في المختبر الذي كان يديره الفيزيائي بيير كوري ويجري فيه أبحاثه الفيزيائية حول «الحرارة» و«المغناطيسية». ولم تمضي سوى فترة قليلة حتى ربطت عاطفة الحب بين الباحث الفرنسي والأستاذ في السوربون وبين الطالبة البولندية الوافدة. وقد تكللت تلك العلاقة بينهما بالزواج بعد أشهر قليلة. لكنهما كانا زوجين من نمط خاص حيث أمضيا «شهر العسل» على درّاجتين.
ومن خلال العمل المشترك تمّ اكتشاف عناصر جديدة،«الراديوم والبولونيوم»، كما توصّلا إلى معرفة ظاهرة «الإشعاع الذري» مما مثّل الإعلان عن عصر علمي جديد. ونال العالمان جائزة نوبل عام 1903 على اكتشافهما الجوهري.
وبالوقت نفسه أصبح الزوجان موضوع سلسلة طويلة من المقالات والتحقيقات الصحفية. ليس فقط بسبب إسهاماتهما العلمية الكبيرة ولكن أيضا بما مثّلته حياتهما من قصة فيها الكثير من الرومانسية. لكن تلك الحكاية عرفت فجأة منعطفا كبيرا غيّر مصيرها. كان ذلك عام 1906 عندما توفي بيير كوري بحادث سير «غريب» إذ دهسته عربة تجرّها خيول في أحد شوارع باريس.
بعد وفاة الزوج، العالم الفيزيائي، أكملت ماري كوري وحدها مشاريع عملهما العلمية المشتركة حول الصفات الإشعاعية لذرّات بعض المواد. ونالت في عام 1911 جائزة نوبل للمرة الثانية لتكون أول من يحصل على أشهر جائزة في العالم مرتين. وعرفت ماري كذلك الحب من جديد، كما تشير المؤلفة، مع فيزيائي فرنسي آخر هو «بول لانجوفان». لكنه كان متزوجا مما جرّ فضيحة حقيقية شكلت بدورها مادة «مثيرة» لوسائل الإعلام.
وتشرح المؤلفة على مدى فصل كامل يحمل عنوان «العزلة» تلك الفترة الصعبة التي عاشتها ماري كوري بـ«خسارتها» للرجل الذي شاركته أبحاثه وحياته. ثم تشرح المؤلفة في فصل آخر يحمل عنوان: «التعرّض للأنظار» قصة حبها «الجديد» و«المثير للجدل» في ظروف حياتية قاسية. إحدى الصحف تحدثت يومها عمّا وصفته بالفضيحة «التي أثارت قدرا من المشاعر أكثر من أيّة فضيحة أخرى منذ سرقة لوحة الجوكوندة ؟ الموناليزا»، كما تنقل المؤلفة.
لكن رغم التحديات الشخصية الكثيرة التي واجهتها ماري كوري على صعيد حياتها الخاصة «بعد رحيل بيير» فإنها لم تتخلّ أبدا عن طموحاتها. وقد أصبحت أول أستاذة «امرأة» في جامعة السوربون. لكنها بقيت بكل الأحوال «إنسانة بالدرجة الأولى» عرفت الآلام والعواطف والغيرة. هذا ما تعبّر عنه المؤلفة بالقول: «لقد جذبتني حكاية ماري وبيير كوري أوّلا وأساسا لكون أنها قصة حب جميلة». البعد الآخر الذي تؤكد عليه المؤلفة يتمثّل بالطبع في «الصرامة العلمية» التي تحلّت بها.
وترى المؤلفة أن العديد من المواضيع «المثيرة للجدل» في عالم اليوم، بعد قرن من اكتشافات الزوجين ماري وبيير كوري، مثل المسائل المتعلقة بانتشار الأسلحة النووية ودور الأشعة في العلاج الطبي والتفكير بالطاقة النووية كأحد الحلول المقترحة لمواجهة سخونة الأرض، إنما هي مسائل تجد جذورها في «قصة حب» عرفتها باريس في نهايات القرن التاسع عشر. قصة حب «جمعت بين أستاذ في السوربون وطالبته». ثم «امتزجت» حياتهما بعد الزواج و«وقّعا معا نتائج أبحاثهما المنشورة» بعد أن «امتزجت كتابتهما على الدفاتر».
والكتاب زاخر بالتفاصيل الصغيرة مثل تلك التي تكشف فيها المؤلفة أن بيير كوري أطلع مدعويه أثناء مأدبة عشاء على «أسطوانة صغيرة مشعّة» من اليورانيوم. تقول المؤلفة: «إن اكتشاف خاصية الإشعاع جعلت من ماري وبيير كوري خالدين» وتضيف: «لكنها تقتلهم اليوم».
وسيرة حياة «مصوّرة» لماري وبيير كوري ولنتائج أعمالهما على صعيد معرفة أسرار المواد المشعّة. وكذلك عرض لآراء معاصرين «كان يمكن لحياتهم أن تكون مختلفة ؟ للأفضل أو للأسوأ- بدون اكتشاف ماري وبيير كوري لليورانيوم».
الكتاب: النشاط الإشعاعي، ماري وبيير كوري، حكاية حب وغبار ذري
تأليف: لورين ريدنيس
الناشر: اي. تي. بوك -
نيويورك- 2011
الصفحات: 208 صفحات
القطع: المتوسط
Radioactive: Marie and Pierre Curie
Lauren Redniss
IT Books- New York - 2011
p.
