يتفق الجميع من أخصائيين بعلم النفس والتربية والناس العاديين، على أن فترة المراهقة هي من أكثر الفترات حساسية في حياة الإنسان بحكم أنّها «مرحلة انتقالية» بين الطفولة وسن البلوغ.والمحللة النفسانية الفرنسية هيلين ديلتومب تكرّس كتابا لها تحت عنوان «رهانات المراهقة».

إن المراهق يعيش فترة صراع حقيقية عندما يجد نفسه «مدعوّا» للانفصال عن أسرته والبحث عن طريقه في الحياة». إنه صراع بين مبادئ وقيم وأفكار موروثة بالضرورة من الأسرة والوسط الاجتماعي المحيط. وصراع أيضاً على خلفيّة البحث عن الاكتشاف والعواطف و«الانتقال إلى الفعل». وهذا كلّه يدفعه لاكتشاف مدى «هشاشته». هذه هي الملامح التي ترسمها مؤلف هذا الكتاب لصورة المراهق ولمرحلة المراهقة ورهاناتها.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين عدد من الفصول الصغيرة ــ ‬19 عنوانا ـ التي تبدأ بالتساؤل: «ما هي الرهانات» وتنتهي بسؤال آخر لمعرفة «هل تمّ كسب الرهان؟» ؛ ومرورا بعناوين مثل «على مفترق الطرق» و«المراهق العصري» و«التشكيك بسلطة الأب «و«أشكال العنف» و«الخروج من الصمت»...الخ.

ما يتمّ التأكيد عليه باستمرار هو أنّه إذا كان قرب الآخرين من الأهل مبعثا للطمأنينة لدى الطفل فإن هذا القرب يغدو مصدر نوع من القلق لدى المراهق الذي يسود لديه الشعور بضرورة أن يؤكّد ذاته كــ«فرد اعتباري» كامل الحقوق. هذا دون أن يفقد الرغبة بوجوده بالنسبة لأهله. بتعبير آخر لا يريد أن يتولاه الإحساس أنه «متروك». بكل الحالات تعتبر المحللة النفسانية، مؤلفة هذا الكتاب، أن عملية «الانفصال» بين المراهق وأهله تتسم بقدر كبير من الدقّة وتتم ترجمتها أحيانا بفشل مدرسي كبير بالنسبة للمراهق.

وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن فترة المراهقة أصبحت موضوع الدراسات والتحليلات منذ بدايات القرن الماضي، العشرين، خاصّة في العالم الانكلوسكسوني. وقد ساد آنذاك الحديث عمّا عُرف فيما بعد بــ«أزمة المراهقة». وجرى التأكيد خاصّة في مجمل الدراسات على مسألة رفض المراهقين للمجتمع التقليدي القائم على تأكيد سلطة الأب. هذا الرفض وجد تعبيره الأكثر تطرّفا في مقولة «قتل الأب»، بالمعنى الرمزي بالطبع، والتي أصبحت متداولة في أوساط الباحثين منذ سنوات الستينات في القرن الماضي.

ما تؤكّد عليه المؤلفة في تحليلاتها هو أن فترة المراهقة لم تعد تتمثّل في المجتمعات الاستهلاكية الحديثة عامّة بالتمرّد ضد السلطة الأبوية. ذلك أن «الأمر يتعلّق غالبا بمجتمع دون آباء» حيث أن المجتمعات الغربية تعرف نسب طلاق تصل أحيانا إلى أكثر من ‬50 بالمائة من الزيجات، هذا فضلا عن عدم ضرورة وجود إطار أسري أصلا لإنجاب الأطفال.

والنتيجة الأساسية بالنسبة للمراهقين هي التخلّي عن «المرجعيات» التي تحيل للأجيال السابقة وتبنّي سلوكيات ترمي بالدرجة الأولى إلى التشابه مع المراهقين الآخرين، أبناء نفس الجيل والقطيعة مع المجتمع عامّة. هذه القطيعة تجد المؤلفة ترجمتها في عالم المراهقين بتزايد حالات العنف والانتحار والبحث عن التماشي مع الموضة في اللباس والمظهر عامّة والوشم وتعاطي الكحول والمخدرات. وعامّة في الميل نحو العيش «على هامش» المجتمع.

ومن السمات الأساسية التي تؤكد عليها المؤلفة لدى المراهقين اليوم ميلهم إلى الانخراط في مجموعة يتبنّون أفكارها وأنماط سلوكها دون عناء التفكير بأي «تفرّد» ؛بل يرون أن هذا يعفيهم من أن يكونوا «أفرادا» بالمعنى الاجتماعي للتعبير. وهذا النزوع نحو عدم بناء الشخصيّة الخاصّة لدى المراهق يجعله سلبيا حيال المشاكل التي تعترضه بحيث أنه ينتظر الحلول دائما من المجموعة التي يرى أنه ينتمي إليها. وتقدّم مؤلفة هذا الكتاب، من موقعها كمحللة نفسانية، عددا من الحالات لمراهقين لا يترددون عند لقائهم بالطبيب النفساني عن معنى وجودهم كلّه.

هكذا يتم استعراض حالة «لوران» المراهق ابن الخامسة عشرة والذي ينشر، مع مجموعة من الفتيان المراهقين مثله، الرعب حوله وخاصّة في المدرسة التي يتردد عليها. وبناء على طلب مدير المدرسة المعنيّة قبل أهله اصطحابه لعيادة الطبيب النفساني «دون قناعتهم» بأهميّة ذلك مع درايتهم الكاملة أن ابنهم «مغلق الرأس» ولا يقبل أي قسر ولا اللوم من أحد. هذا فضلا عن أنه مستعد لأتفه الأسباب أن يكيل السباب والشتائم والتهديد للآخرين. بل وقد يصل الأمر فيه إلى حد الضرب لزملائه.

عند اللقاء مع الطبيب النفساني تصرّف «لوران» بسلوكية مألوفة تماما لدى مثل هذه الشريحة من المراهقين. هذا إلى درجة أن هذه السلوكية غدت إحدى الأعراض «المرضيّة» للحالة. لقد طأطأ رأسه ولاذ بالصمت. كان ينتظر «الحكم عليه «و«إدانته». ولم يخطر له أبدا أن الأمر يتعلّق بالأحرى بألمه وليس بالعنف الذي يصدر عنه.

ذلك أن مثل هذه الحالات أثناء فترة المراهقة تقوم في عمقها على خلفية من اليأس الدفين، بينما أن التمرّد والتحدي والنزوع نحو التخريب ليس سوى نوع من «القشرة الخارجية». وتشير المؤلفة في حالة المراهق «لوران» بالتحديد تبيّن أن جدّه من ناحية أمّه يحمل مشاعر عنصريّة ولم يقبل أبدا أن أب حفيده جزائري وقد غرس الجدّ فيه الحقد على الآخر ابتداءً من الحقد على الذات.

ومن خلال الحالات المدروسة تصل المؤلفة إلى القول: «دور الأعراض التي تظهر على المراهقين هو أنّها تدلّ على ألم داخلي عميق. وأن يصبح المراهق بالغا يقتضي أن يجد المراهق حلاّ للأعراض المعنيّة كي يصبح بالغا له شخصيته الذاتية الفاعلة وليس مجرّد موضوعا تابعا للظروف أو للأحداث أو لقرارات الآخرين». وتضيف أن المراهقة فترة: «زاخرة بالوعود المزروعة في قلب اليأس والتي تجعل من سلوكيات المراهق لغزا».

في المحصّلة تشرح المؤلفة على مدى صفحات كتابها أشكال القطيعة التي يمكن لفترة المراهقة أن تعرفها وقد تؤدّي إلى يأس حقيقي إذا تمّ توجيهها بصورة سيئة أو إذا عاشها المعني بها كمصدر للألم.و إذا كانت المراهقة تختتم مرحلة الطفولة «العالم الجميل الذي تصعب مغادرته» فإنها تنفتح على عالم آخر له تطلعاته ورغباته. المهم أن ينطلق الشاب اليافع فيه بدون قلق.

الكتاب: رهانات المراهقة

تأليف: هيلين ديلتومب

الناشر: ميشيل ــ باريس ــ 0102

الصفحات: ‬218 صفحة

القطع: المتوسط

Les enjeux de ladolescence

Hélène Deltombe

Michèle ــ Paris ــ ‬2010

.p