نال الباحث الفرنسي في مجال التغذية «كريستيان ريميزي» شهرة كبيرة عبر أبحاثه الأولى عما أسماه بـ«التغذية المستدامة». وهذا هو بالتحديد عنوان كتابه الصادر قبل أسابيع قليلة.

يبدأ المؤلف تحليلاته بطرح عدد من الأسئلة الجوهرية، المطروحة أصلا على الإنسانية اليوم، مثل: هل يمكن قبول أن يكون هناك مليار من البشر يعانون من الجوع، بينما هناك أكثر من هذا العدد ممن ينالون من التغذية أكثر من حاجتهم؟ وهل يمكن قبول أن تكون الزراعة وغيرها من النشاطات «الغذائية» مصادر هامة للتلوّث وإصدار الغازات السامة؟ ولماذا تساهم الصناعات الغذائية في بروز عدد من الأمراض، وتزيد من حدتها؟ وكيف يمكن للمستهلكين ضبط سلوكهم الغذائي «الآمن» وهم يواجهون قدرا هائلا من التناقضات في المعلومات الخاصة بالتغذية؟

إن مؤلف هذا الكتاب يحاول رسم بعض «المسارات الممكنة»، لما يقول، للشروع بتغيير «مطلوب وملحّ» في أنماط السلوك الغذائي السائدة. بل ويقترح في الوقت نفسه نوعا من «الميثاق لتبنّي التغذية المستدامة»، الأمر الذي يتطلب، أولا بأول، قيام البشر بـ«خيارات شخصية» تذهب في اتجاه «سلامة صحة الإنسان والأرض».

ولا يكتفي المؤلف بتقديم الأفكار «النظرية» التي تتأسس عليها سلوكية «التغذية المستدامة»، بل يناقش مسائل حياتية يواجهها المستهلك العادي. هذا المستهلك يجد نفسه، بسبب كثرة العرض في المجتمعات الاستهلاكية، أمام «فخ» اختيار الأفضل. هناك «المنتجات النباتية» من خضار وفواكه وحبوب وغيرها والتي «يمكن استهلاكها يوميا». وهناك «المنتجات الحيوانية» التي «ينبغي استهلاكها باعتدال». لكن هناك فئة «المنتجات الصناعية» التي ينبغي استهلاكها بالحدّ الأدنى، إذا لم يكن تجنّب ذلك بالكامل ممكنا. الخطورة تكمن في واقع أن هذه المنتجات «تأتي غالبا» من آليات «مؤذية» وأحيانا «كارثية» بالنسبة للبيئة والمجتمع.

تتم الإشارة في هذا السياق أنه رغم وضوح العلاقة بين التغذية والصحة، كما أثبتت دراسات علمية وطبية كثيرة، فإن البشرسالمستهلكين» لا يزالون مستمرّين بسلوكياتهم الغذائية «السيئة». هذا خاصة في ظل «التخلّي عن أنماط التزوّد التقليدية» لصالح التزوّد بمنتجات «محوّلة» من قبل الصناعات الغذائية.

ويحدد المؤلف نوعا من البرنامج العملي للوصول إلى «تغذية متوازنة» متوفرة أمام جميع المستهلكين. وتتمثل الخطوط العريضة لهذا البرنامج في الاعتماد على «زراعة مستدامة» قادرة على تزويد دورات التوزيع القريبة بالمنتجات الطازجة من لحوم وفواكه وخضار. هذا مع التأكيد على أن وجود مثل هذه «الآليات» في التوزيع ضرورية كأساس لا بد منه من أجل إيجاد «البنية التحتية» التي تؤمّن أقصى درجة ممكنة من «العلاقة المباشرة» بين المنتج والمستهلك «القريب». ويتحدث المؤلف في هذا الإطار عن إمكانية خلق نوع من «الأسواق الزراعية» القائمة على دورات توزيع «محلية».

ومن الأفكار التي يتم التأكيد عليها في تحليلات هذا الكتاب، ضرورة أن يتبنّى القطاع «الزراعي ــ الغذائي» سلوكيات غذائية جيدة وتمتعه بالدعم القوي والعملي للسلطات العامة المعنية. هذا من أجل تقليص إنتاج ما تتم تسميته بـ«الحريرات الفارغة»،والمقصود تلك المواد والمنتجات الغنيّة بالدسم وغيره والفقيرة بالفيتامينات وغيرها من المكوّنات الغذائية المفيدة، أو للتوقف عن «التلاعب بالذوق» عبر منتجات «صناعية». وبالمحصلة يرى المؤلف أن مستقبل التغذية سيتطلّب بالضرورة التزام أكبر من قبل السلطات السياسية، لكن إلى جانب نقاش المعنيين «المستهلكين» لهذه المسألة بجديّة فهؤلاء «عليهم أن يدركوا مسؤولياتهم».

إن المسألة لا تتعلق بتأمين «ما يكفي» من مصادر التغذية لأعداد البشر الذين يتزايدون فحسب، ولكن أيضا بضرورة إيجاد «السلسلة الغذائية المناسبة» التي تؤمّن سد الحاجات الإنسانية، من جهة، وحماية البيئة، من جهة أخرى. ثم من المطلوب أن يأخذ «التسيير الغذائي» الأهمية التي يستحقها في اهتمام المسؤولين السياسيين المأخوذين حاليا بقضية «النضال ضد سخونة الأرض».

هذا مع العلم أن المنظومة الغذائية في البلدان المصنّعة مسؤولة وحدها عن إصدار أكثر من ‬30 بالمائة من الغازات التي يتم اعتبارها سببا رئيسيا في التغيرات المناخية. هذا يعني، برأي المؤلف، عدم الوعي الدقيق بنتائج المنظومة الغذائية السائدة والقائمة على «زراعة مستدامة قليلا ومنتجة لأضرار بيئية كثيرة».

وهناك فكرة أخرى يتم التركيز عليها بواقع أن الصناعات الغذائية ليست «مرغمة»، حسب القوانين النافذة اليوم، على تقديم النتائج على صعيد «القيمة الغذائية» للمنتجات «المحوّلة»، ولكن فقط على صعيد «الأمن الغذائي». هكذا يجد المستهلك نفسه أمام منتجات «فقدت قيمتها الغذائية الطبيعية» مثل تلك التي توفرها الفواكه والخضار الطازجة، لصالح منتجات تزخر فيها المخازن الكبرى و«لا تتناظر مع الاحتياجات الغذائية للبشر».

ولا يكفي في مثل هذه الحالات الاهتمام بالإعلان عن «المكونات الداخلة في المنتج» كما تحرص السلطات العامة في البلدان الاستهلاكية المتقدمة اليوم. و«الأسوأ» هو أن نموذج «موديل» الاستهلاك الغربي فيتعمم أكثر فأكثر على الصعيد العالمي.

إنها «مرافعة» مدعومة بالحجج والبراهين، ضد النظام الغذائي والسلوكيات الغذائية في المجتمعات الاستهلاكية اليوم، وقرع ناقوس الخطر حيال المستقبل.

 

 

الكتاب: التغذية المستدامة، من أجل صحة الإنسان والارض

تأليف: كريستيان ريميزي

الناشر: اوديل جاكوب ــ باريس ــ ‬2010

الصفحات: ‬296 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Lalimentation durable

Christian Rémésy

Odile Jacob - Paris - 2010

p.