أولى فرانسوا دوبيه، أستاذ علم الاجتماع في الجامعات الفرنسية، اهتماما خاصّا بدراسة الآليات التي يتم على أساسها تحديد العدالة الاجتماعية. وبعد أن قدّم عدّة دراسات وكتب عن هذا الموضوع يقوم بتكريس كتابه الأخير لمسألة فرص العمل المتاحة ولإمكانية الفوز بفرصة منها. وهذا تحت عنوان: «فرص العمل المتوفرة وحظوظ الحصول عليها».
ويعتبر المؤلف أن مسألة الفوز بفرص العمل مرتبطة عضويا بمفهوم العدالة الاجتماعية السائد. كما يؤكّد أن هناك عدّة سبل لتصوّر إمكانية تحقيق مثل هذه العدالة الاجتماعية المنشودة في جميع المجتمعات. السبيل الأول يكمن في «المساواة في مراتب العمل»، وهذا يعني ضمنا تقليص أشكال التفاوت القائمة» بين مختلف المواقع الاجتماعية. والسبيل الثاني يكمن في «تكافؤ الفرص في الحصول على فرص العمل». والهدف المعلن هو أن جميع الأفراد يتمتعون بإمكانية الحصول على أفضل المواقع على أساس منافسة عادلة، حسب المؤهلات.
ويشير المؤلف بداية إلى أن فرنسا، مثل بقيّة البلدان الأوروبية والغربيّة عامّة، تميل اليوم نحو إعطاء الأولوية للسبيل الثاني، أي «تكافؤ الفرص». لكنه يؤكّد بالوقت نفسه أنّه إذا كان هذا السبيل يستجيب لرغبة الاستقلال الذاتي لدى الأفراد، فإن «المساواة على صعيد توزيع فرص العمل «تتماشى مع وجود، بل مع تطوّر، مفهوم «التفاوت» نفسه. وفي جميع الحالات، ومهما كان السبيل المعتمد، يتم التأكيد أن المهم هو تأمين التلاحم الاجتماعي وتدعيمه.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين خمسة فصول. الفصلان الأول والثاني يناقش فيهما المؤلف سبيل «المساواة في مراتب العمل» و«نقده». ويناقش الفصلان الثالث والرابع سبيل «التكافؤ في فرص العمل «و«نقده». أمّا الفصل الخامس والأخير فيرافع فيه المؤلف عن «أولوية المساواة في مراتب العمل» ؛ هذا على عكس التيار السائد في الغرب عامّة.
ويشرح المؤلف أن التكافؤ في فرص العمل على قاعدة المنافسة العادلة يشدّ خاصّة اهتمام القوى الاجتماعية «غير المنظورة» أو المقبلة على سوق العمل مثل فئة الشباب والنساء والأقليات الاثنية. وتتضمّن المنافسة العادلة عدم التمييز بين الأفراد إلا على أساس ما يتمتعون فيه من مؤهّلات. ومثل هذه المقولات المبدئية يراها المؤلف «عادلة وتستحق الدفاع عنها» باسم الحق الطبيعي للمساواة بين البشر، لكنه يشرح أن الأمر مختلف من حيث التطبيق.
يكتب المؤلف: «إن الذين يحتلّون مواقع الانطلاق الأفضل قد يخسرون كل شيء إذا ساد تكافؤ فرص حقيقي. وتكفي ملاحظة إستراتيجيتهم لرؤية أنه رغم النداءات الملحّة لتكافؤ الفرص فإنهم يتدبّرون الأمر لحكاية أنفسهم من منافسة الهامشيين. إنّهم يقيمون الشبكات ويزيدون من رأس مالهم الاجتماعي ويرسلون أبناءهم للدراسة في الخارج...الخ. إنّهم يتصرّفون باختصار كطبقة أرستقراطية». والمؤلف يقدّم العديد من إحصائيات من الواقع الفرنسي للبرهان على مثل هذا القول.
ونقطة أخرى تؤكّد عليها التحليلات المقدّمة لسبيل «تكافؤ الفرص» وهي أن مثل هذا المفهوم لا يوجّه أي نقد لواقع التباين الكبير في الدخل بين الأفراد، ذلك أن تباين المؤهّلات يترتب عليه تباين الدخل. كما أن مفهوم تكافؤ الفرص يرفض ضمنيا مبدأ المساعدة الاجتماعية، إذ ليس هناك من يريد أن يكون في مكانة اجتماعية دنيا بالقياس إلى الآخرين «الناجحين». ثمّ أن الفشل يتحمّله صاحبه بالكامل.
ومن «السلبيات» التي قد تترتب على دفع فئة قليلة إلى مراتب اجتماعية عليا هناك فقدان الثقة بالنفس الذي يمكن أن تتولّد على خلفية مثل هذه الفلسفة لدى الشباب الذين تسمح لهم مؤهلاتهم وظروفهم الاجتماعية بــ«الصعود».كذلك يتم دفع «المهزومين» من البالغين إلى الاعتقاد أنهم «ضحايا» أشكال من التمييز كانت وراء تقهقرهم وبالتالي الانغلاق أكثر فأكثر فيما يرون أنه «خصوصياتهم» التي تميّزهم عن الآخرين.
ويصل المؤلف في تحليلاته إلى القول أن سبيل تكافؤ الفرص ينتج عنه في الواقع العملي تزايد «المجموعات» التي تتطالب بــ«الاعتراف «بخصوصياتها. الأمر الذي يخلق بدوره مناخا ملائما لتنامي التوترات الاجتماعية. ونتيجة أخرى يتم التأكيد عليها في هذا السياق وهي أن المجتمع يغدو أكثر قسوة حيال الأكثر ضعفا فيه. ويضيف فرانسوا دوبيه أن مبدأ «الأهلية الشخصيّة «هو نفسه قابل للنقاش إذ إنّه يتجاهل أصلا وزن الوسط الاجتماعي الذي له آثاره الجوهرية على الأهلية الشخصيّة للأفراد. وهي آثار لا تمكن إزالتها، و«حتى المدرسة تبدو عاجزة عن ذلك»، كما يضيف، ذلك باعتبار أنّها» تعيد أنتاج أشكال التفاوت الاجتماعي» والواقع المدرسي السائد «يساهم في تعميق الفوارق بين الطبقات الاجتماعية».
إن المؤلّف يكرّس الكثير من صفحات هذا الكتاب للحديث عن النظام التعليمي الفرنسي. ويرى أن بعض المبادرات التي تمّ اتخاذها من أجل السماح لقلّة من أبناء الشرائح الفقيرة بالصعود الاجتماعي ــ مثل قبول نسبة منهم في المدارس العليا ــ كان منها أن تركت القسم الأكبر من أبناء هذه الشرائح «على قارعة الطريق». وتشير إحصائية إلى أنه من أصل كل عشرة أبناء من أبناء الكوادر الذين كانوا في المدارس الإعدادية عام 1995 توقّف واحد منهم عن الدراسة قبل حصوله على الشهادة الثانوية. بالمقابل من أصل عشرة من أبناء العمّال دخلوا المدرسة في نفس السنة، 1995، فقد توقّف نصفهم عن الدراسة قبل نيل الشهادة الثانوية.
وبالاعتماد على العديد من الإحصائيات والدراسات يصل المؤلف إلى نتيجة مفادها أن المدرسة في فرنسا غدت أكثر فأكثر عاملا على تعميق التباين الاجتماعي. ذلك أنه في الوقت الذي دلّت فيه 20 سنة من دراسة تطوّر معارف الطلبة ما بين 1997 و2007 أن مستوى أبناء العمّال قد تدنّى إلى النصف حقق مستوى أبناء «الكوادر» تقدّما طفيفا. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن أشكال «عدم المساواة الاجتماعية» في فرنسا هي أكبر مما هي في البلدان المجاورة حيث إن «الطالب الثانوي من الوسط الاجتماعي الفقير له نصف حظ تكميل دراساته العليا بالقياس إلى نظيره في أسبانيا أو أيرلندة».
إن المؤلف يطالب صراحة بــ«الانتهاء من أسطورة «تكافؤ الفرص» كي يؤكّد على «المساواة في المواقع»، أو ما يسميه البعض بــ«المساواة الواقعية»، والتي تعني الذهاب إلى ما هو أكثر من «العمليات التجميلية» ومواجهة أشكال عدم المساواة في شروط الحياة بين المجموعات الاجتماعية وفي الدخل. ومثل هذه المواجهة يراها المؤلف مرتبطة أصلا بدور السلطات العامّة التي ينبغي عليها القيام بعملية «إصلاح» لأوضاع خاطئة «في المنطلق».
الكتاب: فرص العمل المتوفرة وحظوظ الحصول عليها
تأليف: فرانسوا دوبييه
الناشر: سويل ــ باريس ــ 2010
الصفحات: 119 صفحة
القطع: المتوسط
Les places et les chances
François Dubet
Seuil - Paris ــ 2010
p.
