يضمّن مؤلف الكتاب، قحطان السيوفي، أبحاثه، دراسة متخصصة في النشاط المالي العام في سوريا، من خلال التعرف على دور أدوات السياسة المالية عبر الموازنة العامّة للدولة، كون هذه الأخيرة تمثل الحاضنة الأساسية لعناصر وأدوات السياسة المالية، والمحرك الرئيسي لتقبل هذه السياسة بهدف حشد وتعبئة الموارد المالية وتوجهها نحو القطاعات ذات الأولوية في الخطة الإنمائية، لتحقيق زيادة في معدل النمو الاقتصادي. ويبدأ الكتاب بعرض نشأة وتطور مفاهيم الفكر المالي منذ الحضارات القديمة. ومن ثم ينتقل المؤلف إلى الحديث عن رؤى مفكري ومنظري الرأسمالية التجارية في هذا الصدد، المتركزة على تبيان أهمية تخفيض سعر الفائدة لتشجيع التجارة. ويوضح المؤلف انه وبعد مرور أكثر من قرن على تداول تلك الأفكار، ظهرت توجهات لتشجيع سياسة الحماية في أواخر القرن السابع عشر وخلال القرن الثامن عشر، وذلك عبر فرض رسوم على المستوردات ومنع استيراد سلع معينة، ومنح إعانات للصناعيين. ثم ولدت الرأسمالية الصناعية من رحم الرأسمالية التجارية، ورافق ذلك تطور الفكر السياسي من أصوله الدينية إلى توجهات راديكالية، بالإضافة إلى تقدم تكنولوجي وتطور في الفكر الاقتصادي والمالي في إنجلترا، حيث ظهرت المؤلفات الخاصة بالمالية العامة للدولة، وأكدت جميعها على ضرورة الاعتماد على الضرائب، وأنه تتحمل الدولة مهام حماية الملكية الفردية. وقد أعقب هذه الفترة ظهور أبحاث ومؤلفات للاشتراكيين الخياليين الذين ركزوا على مفاهيم فلسفية وأخلاقية كالمساواة والعدل والإخاء. وجاءت أبحاث ودراسات هؤلاء في الفترة السابقة لظهور أفكار ومؤلفات كارل ماركس الذي جاء متأثراً بأفكار الفيلسوف هيغل، فقد ركز «ماركس» في مؤلفاته على أن الهيكل الاقتصادي للمجتمع يستلزم وجود علاقات اجتماعية خاصة تتوقف على مدى تقدم القوى الإنتاجية، وفي رأيه أن الهيكلية الاقتصادية لمجتمع ما لا تعدو كونها نوعاً من التغير المتتالي في الأنظمة الاقتصادية، والتصادم بين طبقتي أصحاب العمل والعمال سيؤدي إلى اختفاء الرأسمالية وقيام نظام إنتاجي يقوم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج، عملاً بمفهوم المادية الجدلية، وهذا ما وجد طريقه للتنفيذ في الاتحاد السوفييتي السابق إلى أن سقط هذا النظام وتفككت الدولة الاشتراكية، وانتهت تجربة النظام الاقتصادي.

ويعرفنا الكاتب على أسس ومبادئ وفلسفة الموازنة العامة للدولة في سوريا، بمكوناتها كخطة مالية سنوية تتضمن عناصر وأدوات السياسة المالية، ثم يقدّم عرضاً لمكونات النظام الضريبي السوري الذي يعاني من صعوبات عديدة، منها: (التهرب الضريبي والمساواة الضريبية. .. الخ). لنصل إلى كيفية وسبل إخراجه من واقعه المتخلف ليصبح المصدر الرئيسي لتفعيل دور الضريبة الاقتصادي كحافز ومشجع للاستثمار، وأداة لإنعاش الاقتصاد الوطني، ليصبح برنامج الإصلاح المالي المحور الرئيسي لبرنامج الإصلاح والتحديث الاقتصادي في سوريا، وسنعرف النفقة العامة وتطوّر مفاهيمها، كما يوضّح دور سياسة الإنفاق العام كإحدى أدوات السياسة المالية، لإنجاح عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ثم يبيّن دور أدوات السياسة المالية في سورية وتطوّرها وأثرها الفعلي والمتوقّع في برامج الإصلاح والتحديث الاقتصادي، كما أجرى قراءة متأنية لموازنة عام ‬2008 (كحالة تطبيقية) بحيث ألقى الضوء على دور أدوات السياسة المالية في تهيئة البيئة المناسبة لإنجاح انطلاقة سوق الأوراق المالية في سوريا، وأفرد فصلاً خاصّاً لدور أدوات السياسة المالية في تهيئة البيئة المناسبة لإنجاح عجز الموازنة العامة للدولة، وإمكانية التحكم به لإبقائه في مستويات مقبولة اقتصادياً، وتوصل أخيراً إلى رؤية اقتصادية عامة لكيفية قيام أدوات السياسة المالية بدورها في عملية الإصلاح والتحديث الاقتصادي، بما ينسجم مع توجهات نهج اقتصاد السوق الاجتماعي.

الكتاب: السياسة المالية في سوريا

تأليف: د. قحطان السيوفي

الناشر: وزارة الثقافة ـ الهيئة العامة للكتاب ـ ‬2009

عدد الصفحات: ‬304 صفحات

القطع: الكبير