يوضح المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد، في كتابه هذا، أن كل ما ليس تجديداً في مجال الفكر هو «ترديد» وتكرار لما سبق قوله، وهو ليس من الفكر في شيء ولا يمت إليه بصلة. ولكل تجديد سياقه التاريخي والاجتماعي، والسياسي والفكري؛ حيث لا ينبع التجديد في أي مجال من رغبة شخصية أو هوى ذاتي عند هذا المفكر أو ذاك. وهو ليس تحليقاً في سموات معرفية أو عرفانية، بل ينبت في أرض الحياة، كما أنه ليس حالة فكرية طارئة، بل يجسد الفكر في تجاوبه مع الأصول التي ينبع منها، ويتجاوب معها بوسائله الخاصة. ويصبح التجديد أكثر إلحاحاً عندما تتأزم أوضاع الحياة، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، التي تنعكس بدورها على الفكر وعلى مختلف أوجه الحياة، فيما تعدّ الحاجة إلى التجديد الفكري والسياسي والاجتماعي من أول مظاهر التغيير المجتمعي، على أن يشمل التجديد مختلف حقول المعرفة ومجالاتها، ويشمل أيضاً التجديد في إطار الفكر الديني. وتعيش بلداننا العربية حالة من التأزم، تحولت مع ضعف مقاومة المجتمع إلى نوع من الركود واجترار إنجازات الماضي والتغني بانتصاراته. وقد كشفت هزيمة حزيران ‬1967 عن حالة التأزم المستفحلة، على مستوى الواقع وعلى مستوى الفكر وفي النظام السياسي على وجه الخصوص.

ويعتبر أبو زيد أن الفكر العربي، في مرحلتنا الراهنة، لا يزال يرى في كتابات وأطروحات، طه حسين ومحمد عبده وعلي عبد الرزاق والطاهر عاشور وأمين الخولي ونجيب محفوظ والكواكبي وغيرهم، الأساس الإبداعي والمعرفي لثقافة تطمح لأخذ مكانها بين ثقافات العالم، لكن هذه الأسماء الكبيرة تعرضت لشتى أنواع الاتهامات والضغوط، وأجبرت في أحيان كثيرة على التراجع أمام هيمنة الأفكار التي تنتمي إلى الماضي. وعليه يمكننا أن ندرك ثقل المهمة الطامحة إلى إخراج مجتمعاتنا من أزماتها، وهي مهمة تحتاج إلى التحلي بقوة المعرفة وتحتاج إلى الشجاعة أيضاً. ويلاحظ أن رفض الحوار العلمي في بلداننا العربية، وتكريس منطق النقل على حساب منطق العقل، لا يزال مهيمناً ومدعوماً من طرف سلطات سياسية. ويؤكد أبو زيد أن خطاب التحريم، بشكل عام، لا يقتصر على الخطاب الديني، بالرغم من أن الخطاب الديني هو الأبرز حضوراً والأعلى صوتاً بحكم مركزية «الدين» في أفق الحياة العامة في مجتمعاتنا. وهناك خطاب التحريم السياسي، وخطاب التحريم الاجتماعي، وخطاب التحريم الثقافي، هذا فضلاً عن خطاب التحريم الأكاديمي، حيث يعتبر الخطاب الديني جزءاً من الخطاب الثقافي العام في أي مجتمع، ويزدهر بازدهار الخطاب العام، ويكون منفتحاً وتحررياً وإنسانياً بقدر ما يكون الخطاب الثقافي العام كذلك، وبالتالي حين يختنق الخطاب العام ويسوده التعصب، وتحكمه معايير اللاعقلانية والتمترس خلف هوية تعادي الآخر وتكره الاختلاف، يصاب الخطاب الديني بالداء ذاته، داء التعصب واللاعقلانية، وتتحكم فيه معايير الهوية الجامدة، وكراهية الاختلاف.

ويلفت أبو زيد إلى أنه يطاول التحريم الفنون بمختلف أنواعها، كونها تنهض على الخلق والإبداع، مع أن الدين لا يحرم الفنون، إنما يحرمها من يتصورون أنفسهم حماة الدين والأخلاق والأعراف والتقاليد. وهم أنفسهم حماة الأمر الواقع، ومن يلفّ لفّهم من بعض الإعلاميين والمثقفين، الذين يدافعون عن قرارات السلطات، والتي تسمح وتمنع وفق منطق ينتمي إلى الماضي.

الكتاب: التجديد والتحريم والتأويل بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير

تأليف: نصر حامد أبو زيد

الناشر: المركز الثقافي العربي، بيروت،

‬2010 الصفحات: ‬247 صفحة

القطع: المتوسط