من الملاحظات التي يؤكد عليها المهتمون، بمختلف ميادينهم ومشاربهم، بحالة التوحّد أن دراسة هذا «الخلل النفساني» تحتل منذ عشرين عاما أهمية متزايدة من قبل الباحثين. وقد تزامن هذا الاهتمام مع واقع أن تشخيص حالات الإصابة بـ«التوحّد» قد أظهر تزايدا كبيرا في عدد هذه الحالات خلال العقدين الآخرين.
هكذا يتم الحديث اليوم عن «التوحّد» باعتباره «ظاهرة اجتماعية». بل يتحدث البعض عن «وباء» التوحّد. وهذا ما يؤكده المساهمون في كتاب صدر مؤخرا تحت عنوان «منشأ حالة التوحّد» ويشارك فيه عدد هام من الباحثين في ميدان علم الاجتماع خاصة.
ما يتفق عليه المساهمون في هذا الكتاب هو أن مرض التوحّد لم يكن يحظى إلا باهتمام إعلامي ضئيل. أما اليوم فقد أصبح يحتل «صدارة الأخبار» في أحيان كثيرة. وبالتوازي تتزايد أكثر فأكثر الميزانيات المكرّسة لهذا المرض من قبل السلطات العامة في مختلف البلدان المتقدمة حيث تتكاثر المراكز و«المدارس» والمؤسسات المختصّة بالعناية بـ«المتوحّدين».
ولعلّ هذا الكتاب من أفضل التحليلات، وأشملها، المقدمة حتى اليوم حول آلية «التحوّل» في الاهتمام «الاجتماعي» بهذا المرض «الحالة». ويبدأ بطرح التساؤل الأساسي حول الأسباب التي دعت إلى زيادة عدد الحالات «المشخّصة» التي تعاني من التوحّد خلال السنوات الأخيرة. ثم تتم بعد ذلك محاولة تبيين النتائج المترتبة على ذلك. ويتفق المساهمون حيال هذا الموضوع على أن السؤال المبسّط و«التبسيطي» الكامن بمعرفة: «هل هناك وباء «مرض» توحّد أم لا»؟ إنما هو سؤال «لا جدوى منه» بالقياس إلى السؤال «الأهم والأجدى فكريا» المتعلّق بالطريقة التي تقوم فيها السلطات المسؤولة بـ«تسمية وتحديد طبيعة وطرق معالجة مختلف الاضطرابات العصبية- النفسية»، ومن بينها «حالة التوحّد».
ويهتم المساهمون في هذا الكتاب برصد النشاطات التي مارسها، ويمارسها، المدافعون عن حقوق «المتوحّدين» ويدعون لضرورة أن تأخذ السلطات المعنية مسؤولياتها حيالهم. ذلك على أساس أن «التوحّد» يخص حالات كثيرة، و«أكثر مما يقال ويُعلن». وهي حالات لها علاقة عضوية مع «اضطرابات التطور السليم في سن الطفولة».
كما يؤكد هؤلاء «المدافعون» عن حقوق المتوحّدين على أهمية تحديد «المنظور الثقافي» الذي تتم الرؤية من خلاله للمتوحّدين. هذا على أساس أن هؤلاء يشكلون «مرتبة وسط» على قاعدة «اضطرابات الطفولة». إن «التوحد» ليس «مرضا عقليا» ولا «تخلّفا عقليا» ولكن «لا يمكن شفاؤه» تماما و«ليس مستعصيا على الشفاء» تماما. إنه باستمرار «حالة بين حالتين» بمعنى ما.
وفي معرض الحديث عن أسباب «التوحد» يتم التأكيد أن سببه «لا يزال مجهولا» حتى الآن. لكن هناك ملاحظات إحصائية تدل على أن العوامل الوراثية تشكل أحد الأسباب الرئيسية للتوحد. هذا إلى جانب التأكيد أيضا أن عددا آخر من العوامل لها دور في الإصابة به. ودون استبعاد أن يكون هناك «خلل» ما على صعيد الدماغ.
ومن الأفكار التي يتم التأكيد عليها في مساهمات هذا الكتاب، هو أن «التوحّد» أصبح «تحت الأضواء» كثيرا و«باديا للعيان» بسهولة. ويكفي أن يبدأ البحث عنه لإدراك أنه «موجود في كل مكان». لماذا؟ الإجابة المعروفة التي يتم تكرارها بصورة شبه آلية هو أن هناك «وباء التوحّد».
المدافعون عن فكرة «وباء التوحّد» يقدّمون العديد من الإحصائيات. ويدل المعدل الوسطي على أن طفلا من حوالي 160 طفلا هو مصاب بأحد أشكال التوحّد في الولايات المتحدة وانكلترا خلال فترة عام 2000. هذا مع التأكيد أن هذه الأرقام هي بازدياد تدريجيا بحيث تصل النسبة إلى حوالي طفل من 150 طفلا يعاني في البلدان المذكورة من «التوحد» وغيره من أشكال اضطرابات النمو العقلي لدى الأطفال وسلوكهم تتم خلال الفترة الواقعة بين الولادة وسن الثالثة.
وإذا كان هناك «وباء» فإن الجميع يعرفون أيضا ما يترتب على ذلك. ينبغي أولا تكريس مبالغ مالية كبيرة لمواجهته. هذا إلى جانب المطالبة بإنشاء «مراكز جديدة» لاحتجاز المصابين وجلب «المصابين الجدد». وذلك كله في سبيل تحقيق هدف واحد هو «السيطرة على الوباء».
على مثل هـذه الآراء التي تتردد كثيرا يقدّم المساهمون رؤية مخالفة للتفسير الذي يعيد زيادة عدد المصابين بالتوحّد إلى انتشار «الوباء». ويدعمون القول انه ينبغي النظر إلى «الزيادة القريبة» لعدد حالات التوحّد إلى تطور المفاهيم السائدة على صعيد القوانين والمؤسسات في أواسط سنوات السبعينات المنصرمة فيما يتعلق بـ«التخلّف العقلي».
وتتم الإشارة أنه حيث زادت الهوامش العامة فيما يخص التعامل مع اضطرابات الطفولة، مثلما هو في البلدان الاسكندنافية وبريطانيا والولايات المتحدة، زاد أيضا معدل حالات التوحّد «المرصودة». بالمقابل حيث بقي تعامل المؤسسات الرسمية جامدا أو «متخلّفا» مع اضطرابات الطفولة، تبقى معدلات حالات التوحد منخفضة.
هذا كتاب يلقي أضواء جديدة على ظاهرة «التوحّد» و«عالم المتوحّدين»، وهو مفيد بالدرجة الأولى لأهل الأطفال المعنيين.
الكتاب: منشأ حالة التوحّد
تأليف: جيل ايال وآخرون
الناشر: بوليتي برس ــ نيويورك ــ 2010
الصفحات:240 صفحة
القطع: المتوسط
The autism matrix
Eyal Gil and
Polity Press- New York - 2010
p.240
